مارس 8, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

العلاج بالحب .. قصة قصيرة بقلم د.محمد عبد العزيز

  سقطت على الفور “حنين” بعد تعاطيها جرعة كبيرة من المنوم بغرض الانتحار ولم تفيق الا بعد 6 ساعات في مستشفى صغير بدون أهلها وأصدقائها وأقرب الناس لها ، نعم أرادت “حنين” الانتحار بسبب كلام ونظرات أقرب الناس فضلاً عن كلام ونظرات بقية الناس ، “حنين” عانت آلام نفسية عديدة وشديدة في وقت قصير بعد طلاقها من زوجها الذي تزوجته بعد قصة حب كبيرة وانجبت منه طفلة جميلة إلا أنها اكتشفت خيانته لها بكافة الصور المعنوية والحسية ومع جميع أنواع السيدات ، حنين أرادت أن تنتقم لنفسها فادعت لزوجها انها أحبت شاب وأقامت علاقة معه مثلما هو يفعل يوميا مع عدد كبير من النساء فما كان منه إلا أن طلقها وأخذ الطفلة وسافر خارج مصر ولم تستطع الوصول له ولا الوصول لابنتها وتخلى عنها الجميع ولم يفهم أحد حجم الألم الذي تعانيه بل وأصبحت مُدانة وموضع شك لدى الكثيرين والبعض رأى أنها أسائت التصرف ولم يُقدر أحد أنها كانت تحت ضغط فقامت بخلع الحجاب وأصبحت تتواصل على السوشيال ميديا كثيرا رغم وجود أشكال متطفلة وأخرى متنطعة على السوشيال ميديا وأشكال لا تعرف إلا التكذيب والتشكيك ظنا منهم أن حال كل من يستخدم السوشيال ميديا هو البحث عن الشهرة أو التأثير على متابعيه أو توجيه رسائل لصديق أو حبيب أو زوج سابق بهدف تلافي أخطاء الماضي أو بهدف الانتقام في أحيانا أخرى ، انهارت “حنين” من ضغوط الناس وكلامهم ونظراتهم وعدم تفهمهم لما هي تعانيه من وجع وحرمان واضطراب فكر في وقت واحد وبشكل متداخل ، فقط لم تريد إلا كلمة طيبة وحضن صادق ودعوة جميلة وطبطبة على يدها من أخت أو صديقة أو أم أو أب لكنها لم تجد إلا الجلد والنصائح الموجعة وفقط كل ذلك وهي تمر بمرحلة فقدان شهية لكل شيء في الحياة بعد أن تخلى عنها الجميع وأساء فهمها والتصرف معها الجميع فقررت الانتحار لتنتهي من الألم في لحظة انسداد أفق وانفعال نفسي وعاطفي شديد من تلميحات وايذاء كل من حولها.

أفاقت “حنين” لتجد نفسها في المستشفى وبجوارها في الغرفة على السرير الثاني الحاجة “فاطمة” التي استمعت لقصتها فأخذتها في حضنها نصف ساعة كاملة دون أن تنطق بكلمة واحدة وكلاهما يبكي وهي تربت على كتفها وكأنها تربت على كتف طفل صغير يبكي من شدة الحُمى فاستعادت “حنين” شيئا من نفسها المفقودة مع هذه الأم الحنون وأصرت أن تسمع منها أي نصيحة أو دعوة طيبة ولما لا وقد تحولت الحاجة “فاطمة” في هذه اللحظة إلى تجسيد لكل معاني وقيم الرحمة والإنسانية التي تحتاجها وتبحث عنها “حنين” ، فقالت لها الحاجة “فاطمة” العبارات التالية :- 

لا تتأثري بمن يهتم بالشكل العام وكلام الناس قبل أن يهتم باحتوائك وقت وجعك ولا تختصري العلاج في طرق حسية وعلاقات سريعة وغير جادة لأنها ستنتهي سريعا وستسبب الخراب وسيظل الألم ، فقط أبحثي عن الحب مع الأطفال وفي دور الرعاية ودور المسنين مع من يستحق الحب إلى أن يغير الله من كل أحوالك للأفضل ابدأي العلاج بالحب لتتغيري بما تستطيعي أن تفعليه في هذا الحياة وهو الحب فإنتي لا تقدري على إيذاء من حولك كما يفعلوا ، حاربي كل شيء بالحب وتوقفي عن إيذاء نفسك كما يفعل الجميع فإنتي تؤذي نفسك بحرمانها من رقتها وعذوبتها وهدوئها وسلامها النفسي وصلتها الجميلة بالله من خلال الدعاء طوال الوقت حتى وان لم تكوني في وقت الصلاة ، توقفي عن إيذاء نفسك بحرمان نفسك من الحب ، كل انسان يحتاج لتجربة في حياته تجعله يخرج من دائرة الحب الصغيرة في حياته لأهله وأصدقائه إلى دائرة أكبر وأقوى وأصدق وهي حب الله والحب في الله ولله فلا تحرمي نفسك من الحب الحقيقي وسوف تستعيدي بقية ألوان الحب بعد نضج فكري وعاطفي في أقرب وقت أقرب مما تظني فقط لا تتوقفي عن الحب والدعاء . . وأعلمي أنه مهما اجتهد البشر في إقامة العدل ستبقى الأهواء والحسابات والتوازنات وسيبقى الضعف والجهل والتقصير البشري ينتقص من عدالة البشر لذلك من أسماء الله الحسنى ” العدل “.

واعلمي أن العناد والندية لا تستقيم في كل الأمور بين الرجل والمرأة حتى وإن كان الرجل هو من بدأ بالخطأ ، ومن تريد الإنفصال لأي سبب فلتغير من شكلها وسلوكها أولا أمام زوجها قبل الانفصال وليس بعده فإن لم يتغير حينها يحق لها أن تقول فيه ما تشاء بعد الانفصال ويحق لها أن تنساه بكل معاني الكلمة لتبدأ من جديد دون أن تستخدم وسائل الضغط عليه للرجوع له وكأن الطلاق في حد ذاته وسيلة إنتقام أو درس لمن يسيء وهذا ليس صحيح فالطلاق شرعه الله لإنهاء حالة الصدام والخلاف والاختلاف الذي لا يمكن أن يتحمله أحد الطرفين أو كلاهما حتى يظل الجميع في حالة من السكينة والاستقرار النفسي.

أعلمي أن الخائن له فرصة واحدة فقط ثم لا يلام من يتركه بعدها مهما تغير الخائن وأن الفرصة يجب أن تعطيها له وانتي في بيتك ولازلتي زوجة له فهذا سلاحك وبيتك هو أرض معركتك فإذا استمرت الخيانة بعد مواجهتك له وتغييرك في الشكل والطبع فاخرجي من حياته للأبد مهما كانت العواقب أو كلام الناس.

واعلمي أن الأبواب لا تظل قابلة للفتح دائما فالأبواب الحقيقية أبواب قلوب والقلوب تتقلب وفقا لما تتلقاه من الود والاحترام فلا تجعلي نفسك رحمة لاهواء من يريد أن يتلاعب بامراءة مطلقة أو تمر بفترة عصيبة في حياتها . . واعلمي أن طفلتك الصغيرة ستظل تتذكرك وان كل ثانية تقضيها محرومة من أمها وحب أمها هي ثانية تأخذ من رصيد حسنات الأب الظالم إلى ميزان حسنات الأم المظلومة وسوف يكرمك الله ويُقر عينك برؤية ابنتك في أحسن حال وأفضل صورة فقط لا تتوقفي عن الدعاء . . لا تتسرعي في الارتباط الآن وانتظري على الأقل سنة كاملة وكوني دائما ممن يستخير الله قبل أي قرار مصيري ولا تنسي الأخذ بالاسباب واستشارة أهل العلم وان لم يكونوا من الأقارب والأصدقاء.

قد نحتاج أحيانا إلى مساعدة طبية من طبيب أو استشاري نفسي لعبور محنة شديدة لأننا كنا ولازلنا على صواب في الفكر والمشاعر ولأننا نشعر ونتأثر وليس لأننا على خطأ أو عديمي المشاعر متبلدي الاحساس مثل الكثيرين ممن حولنا ، لذلك أكرر لكي النصح بضرورة استشارة أهل العلم واكرر لكي وصفة العلاج بالحب حتى لا تنسلخي من أهم ما يميزك فتفقدي سبيلك للعلاج وهو العلاج بالحب . هنا انهمرت “حنين” في البكاء وعادت لتحضن الحاجة “فاطمة” من جديد والحاجة فاطمة تربت عليها وتمسح على رأسها وتدعو لها بالسكينة والسلام والحفظ والتوفيق من الله.