تكلمَ الناسُ كثيراً عن حلاوة البدايات، وصدقُوا.. فما أجملُ البداية حين يَحرِصُ كلُّ طرفٍ على إظهارِ أفضلَ ما لديه للطرف الآخر.. إظهار الأجمل في الهيئة، والدقة في التعبير، والاندفاع في إبداء المشاعر.. تلك أمور لا يختلف عليها اثنان.. ولا تستقيم العلاقة بدونها، بل لا تبدأ بالأساس..
هذا السلوك هو ما يجعل للبدايات حلاوة وشغف، يضاف إليها متعة التجربة الجديدة مع شخص مختلف، يظن كل طرف منهما أنه ظفر بمشاعر الآخر وأمسك بكلابيب قلبه، فتلك متعةٌ حقيقيةٌ، تخطِفُ القلوبَ بعيداً والأرواحَ عالياً..
ثورةٌ في المشاعر تكادُ تذهبُ بحكمة العقل واتزانه.. ومن حسن الحظ أن تلك المشاعر الجارفة لم تلبث أن تهدأ كثيراً بعد فترة وجيزة من أول لقاء.. فسرعان ما يكتشف كل طرف أن الآخر ليس كاملاً وليس مثالياً كما كان ينشد أو يتوقع، وأنه ليس سوى شخص مثله تماماً يمتلك من العيوب كما يمتلك من المميزات..
أتخيل أن معظم العلاقات تنتهي عند تلك النقطة، مالم يتقبل كلُّ طرفٍ الطرفَ الآخرَ على أنه مكمل له وليس نداً كاملاً مثالياً.. ذاك شرطٌ ضِمنيٌّ غيرُ مُعلَنٍ يكفُلُ استمرارَ العلاقة، وإلا فلتتوقف فوراً..
هؤلاء هم فئة العقلاء،، فالعاقل فقط هو من يعرف متى يتوقف ومتى يستمر، لا متى يبدأ.. فالبدايات للجميع..
هنالك فئة أخرى أسميتُها فئة العاشقين.. أولئك ليسوا فقط رضوا بالعيوبِ وأصرّوا على الإستمرار.. بل وصل الأمر بهم إلى كامل الإنصهار..
عشقُ الكلِّ، وعشقُ الجزءِ.. عشقُ الجملةِ، وعشقُ التفاصيل.. حيث لا مكان للنقد ولا التنابزِ في لغتِهم.. ولا وجودَ لمفرداتِ السُّخْطِ واللَّغَطِ في مُعجَمِهم..
لقاؤُهم متعة، وفِراقُهم رغم التواعد له وحشة.. كلامهم غرام، وصمتهم هيام.. يغيبُ أحدُهم فيَذْبُلُ الآخرُ كأن به مرض، ويعودُ فيُشْفَى بمجرد النظر..
يفهم كلٌّ منهم الآخرَ بنظرة، وتُغْنيهُم عن تجاذُبِ مشاداتٍ كلمة.. لا يَمَلُّون من طولِ حديثٍ، أو طولِ انتظار.. ولا ينْفردُ أحدُهم دون الآخر بأنانية الإختيار..
يتواصلون بأثير القلوب ووفاء الأرواح.. قلوبهم لينة وعقولهم مرنة.. رغبتُهم واحدة وآمالُهم ممتدة..
تحملوا الصعاب، وكسروا العادات.. فلا حكم عليهم إلا ما تحكم به قلوبُهم وما تُمْلِي عليهم ضمائِرُهم.. وكأنهم اخترعوا طرقاً للحياة غيرِ مألوفة، وبَنَواْ قلاعاً وقصوراً بالحب محفوفة..
اختراعٌ إسمُه العشقُ يا سادة.. متى وَجَدتُّموهُ فلا تَفْقِدُوه..

More Stories
ست سنوات من الغياب وأنا أبحث عن حضنك
أقرأ رسالتك فأشتاق أكثر
أميرتي