كتب سيد المزغوني
كثيراً منا ينشغل بمقدم رمضان، فإذا جاء انشغل عنه، فإليك هذه الوظائف الرمضانية رجاء أن ننتفع بها، وأن تكون عونا لنا جميعاً علي حسن العبادة، ودوام الطاعة حتي نلقى ربنا مولانا فيغفر لنا السيئات، ويجزل لنا العطاء علي الحسنات، رزقنا الله وإياك لذة النظر إلي وجهه الكريم في دار الجنات.
الوظيفة الأولي : المبادرة إلي الله تعالى بالتوبة الصادقة النصوح قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾ ) التحريم : 8. وقال : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ) النور :31. فالتوبة عنوان فلاح العبد في كل وقت وحين، وخاب وخسر من لم يظفر بها في رمضان حيث قال سيد ولد عدنان – صلي الله عليه وسلم – فيما حكاه عن أمين وحي الله جبريل – عليه السلام – قال : ” رغم أنف من أدركه رمضان فلم يغفر له “. رواه الحاكم، وابن خزيمة في صحيحه، وأحمد في مسنده.
الوظيفة الثانية : المبادرة إلي طاعة الوقت وهي الصيام وذلك بمراجعة أحكام الصيام ومعرفة ما لهذا الشهر من فضائل، وآداب حتي تعبد ربك عز وجل فيه علي بصيرة ، فتفوز بأعظم الثواب لعبادات هذا الشهر.
الوظيفة الثالثة: تلاوة كتاب الله واستماعه، فالقرآن والصيام توأم الروح لا ينفصل أحدهما عن الآخر ، وكيف لا يكون كذلك ورمضان يقال له شهر القرآن لأنه نزل فيه، كما قال تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى للنّاس وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّه بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّه عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) سورة البقرة:185.
وهذا نبينا – صلي الله عليه وسلم – انظر كيف كان يأتيه جبريل فيدارسه القرآن كما قال ابن عباس – رضي الله عنها – كان النبي – صلي الله عليه وسلم – أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن ، ” فلرسول الله – صلي الله عليه وسلم – حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ” متفق عليه. وكذا كان هدي كثير من السلف أنهم يتفرغون لقراءة القرآن في رمضان وقد سُئل الزهري عن العمل في رمضان فقال : إنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام، وهذا يأخذنا إلي الوظيفة الرابعة لتعلقها بتلاوة القرآن ألا هي : الوظيفة الرابعة : صلاة التراويح ، وإقامة هذه الصلاة يكون بطولها، وكثرة التلاوة فيها، والحرص علي تدبر القرآن، وألا يكون هم القارئ والسامع آخر السورة، وإنما يكون طلبا للأجر والثواب، والانتفاع بالتلاوة والاستماع، وهذا لا يحصل إلا بالإيمان والاحتساب قال – صلي الله عليه وسلم – من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفرله ما تقدم من ذنبه ” متفق عليه.
الوظيفة الخامسة : عليك بطلب الإخلاص في عملك جميعاً، والصوم هو مدرسة الإخلاص، لأنه سر بين العبد وربه، فهو يعلمك المراقبة لله في السر والعلن، ويجعل نصب عينيك دائماً قول مولاك سبحانه : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴿٥﴾) البينة :5. وقال – صلي الله عليه وسلم – : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ” متفق عليه. ولذا فقد قال طائفة من أهل العلم بأن الصيام لا يدخله الرياء. الوظيفة السادسة : عليك بالدعاء لله عز وجل آناء الليل وآخر النهار ولا سيما عند فطرك، ونلاحظ أن الله عزوجل ذكر آية الدعاء بين آيات الصيام، حتي نكثر دعاءه، والتضرع إليه قال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) سورة البقرة:186].
قال ابن كثير – رحمه الله – وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة علي الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، وإرشاد إلي الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر. ( تفسير القرآن الكريم :208/1 )
الوظيفة السابعة : عليك بالحفاظ علي رأس مالك، فلا تضيعه فتندم ألا وهو عمرك الذي وهبك الله عز وجل إياه فاحذروا أن تكون من الذين وصفهم الله بقوله : ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١١﴾) سورة المنافقون: 11:10. وروي البخاري في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – : ” يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان حب المال وطول العمر ” صحيح البخاري. وكان من قبلنا أهل العلم والفقه أحرص الناس علي أوقاتهم.
قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – ما ندمت علي شئ ندمي علي يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي. ونقل عن عامر بن قيس أحد التابعين العباد ، أن رجلا قال له : كلمني، فقال له : أوقف الشمس حتي أكلمك.
وقال الوزير يحيى بن هُبَيرة البغدادي رحمه الله:
والوقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيتُ بِحِفْظِهِ
وَأَرَاهُ أسهَلَ ما عليك يَضِيعُ
إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيَّامِ نقطَعُهَا
وكلُّ يومٍ مضَى جُزْءٌ من العُمْرِ
وقال أحمد شوقي رحمه الله:
دَقَّـاتُ قلبِ المـرءِ قَائِلَةٌ لهُ
إنَّ الحَيـَاةَ دَقَائقٌ وثَوَان
فارفعْ لِنَفْسِكَ بعدَ موتِكَ ذِكْرَهَا
فالذِّكْرُ للإنسانِ عُمْرٌ ثَانِي
وقال ابن القيم – رحمه الله – : إضاعة الوقت أشد من الموت ، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. ( الفوائد : 42 ) .
الوظيفة الثامنة : ليكن شعارك في رمضان الإصلاح ، إصلاح ما بينك وبين ربك ، بإظهار فقرك بين يديه، وذلك في عبادته، والتودد إليه والإلحاح عليه، والتعرض لنفحاته في تلك الأيام المباركة، وأتِ من العبادة بما كنت له هاجراً فهذه فرصة نادرة لا تعوض، وأصلح ما بينك وبين والديك بتمام برهما، وقضاء حوائجهما ، وبذل الغالي والنفيس رجاء رضاهما، واحرص علي إصلاح بيتك، وتعهد زوجتك وأولادك، واجعلهم يشاركونك فيما تيسر من العبادة، وأصلح ما في هذا البيت من وسائل إعلام وأعد صياغة هذا البيت علي ما يرضي سيدك ومولاك ، وتقر بها عين نبيك ومصطفاك، ولا تنس صلة أرحامك وذوي قرباك، وعليك بإصلاح ما بينك وما بين الجيران فأد ما لهم من حقوق تجاهك، وإن قصروا في حقك فسأل الله الذي لك فليس الواصل بالمكافئ وأصلح ما بينك وبين إخوانك من المسلمين عامة وخاصة وعليك باستغلال رقة القلوب في شهر الصيام لإصلاح ذات البين فكم في الصيام من عجائب!!!
الوظيفة التاسعة : اجتهد في تأدية عمرة في رمضان ما استطعت إلي ذلك سبيلاً، لما لها من ثواب قال – صلي الله عليه وسلم – ” عمرة في رمضان تعدل حجة ” متفق عليه. وفي رواية : ” تقضي حجة أو حجة معي ” رواه مسلم.
الوظيفة العاشرة : لا تضيع اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وخذ بهدي نبيك – صلي الله عليه وسلم – الذي أخبرتنا به أمنا عائشة فقالت : ” كان النبي – صلي الله عليه وسلم – يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ” صحيح مسلم، وقالت أيضاً : ” كان النبي – صلي الله عليه وسلم – إذا دخل العشر شد المئزر ، وأحيا ليله، وأيقظ أهله ” متفق عليه. وتحر في هذه الليالي المباركة طول الصلاة، وكثرة التلاوة والدعاء لا سيما ليالي الوتر منها فلعلك أن تصيب الخير من الليالي المباركة ليلة القدر والتي العبادة فيها خير من ألف شهر، ولا تنس إن أصبت هذه الليلة أن تدعو فتقول: ” اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ” رواه الترمذي، وابن ماجه.
الوظيفة الحادية عشر: احرص علي إخراج زكاة فطرك وليكن ذلك فى آخر يوم من رمضان أو فى آخر يومين وهذا علي الجواز، وأما الوجوب فمن وقت ظهور هلال شوال إلي قبل صلاة الإمام لصلاة العيد، ففيها خير عظيم، وتنفيذ،لإيجابها من سيد المرسلين – صلي الله عليه وسلم – وهى طُهرة لصيامك مما أصابه من لغو ومواساة لإخوانك.
الوظيفة الثانية عشر: احرص أن تستفيد من الصيام فى أن تدخل مدرسة الصبر من أوسع أبوابها، ومن يوصلك إلي أن تكون من الصابرين أكثر من صيام رمضان ، إنه الصبر بأنواعه جميعاً صبر علي طاعة الله، وصبر علي معاصيه، وصبر علي أقداره،
الوظيفة الثالثة عشر: إفطار صائم:.
أما إطعام الصائمين وتفطيرهم فهذا أيضًا مِن أجلِّ الأعمال للصائم، وقد حث النبي – صلي الله عليه وسلم – علي ذلك ،بل إنه يُكتَب له أجر الصائمين الذين أطعمهم، ولا ينقص ذلك مِن أجورهم شيئًا،فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ” مَن فطَّر صائمًا، فله مِثل أجره، غيرَ أنه لا ينقص مِن أجر الصائم شيء “رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ومما يستحب للصائم المواظبة عليه في الصوم في رمضان وفي غير رمضان: تعجيل الفطور؛ مخالفةً لليهود والنصارى؛ فإنهم كانوا يؤخرون الفطور حتى تظهَر النجوم؛ فعن سهل بن سعد – رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ” لا تزال أمتي على سنَّتي ما لم تنتظر بفِطرها النجوم ” رواه ابن خزيمة ، وابن حبان.
ويستحب له أن يبدأ الإفطار على رُطَب، فإن لم يجد فعلى تمرٍ، فإن لم يجد فعلى ماء؛ فعن أنس بن مالك يقول: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر على رُطبات قبل أن يُصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمراتٍ، فإن لم تكن حسَا حسَواتٍ مِن ماءٍ ” رواه أحمد وأبو داود، وبالعكس من ذلك في السحور، فإنه يستحبُّ تأخيره؛ لِما رواه الشيخانِ – رحمهما الله – عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” تسحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً “، والبركة فيه؛ لأنه في وقت آخر الليل، وهو وقت مبارك، وفيه تقويةُ الصائم، ويستحب تأخيره قدر الإمكان؛ فعند البخاري عن سهل بن سعد – رضي الله عنه- ، قال: ” كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم “، ويستحب للصائم أن يتسحَّر على التمرِ؛ لِما رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” نعم سحور المؤمن التمرُ” ، فإن لم يتيسر له التمر، فليس أقل من السحور ولو بجرعة ماء! لقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” السحور أكله بركةٌ، فلا تَدَعوه، ولو أن يجرَعَ أحدُكم جَرعة مِن ماء؛ فإن الله عز وجل وملائكتَه يصلُّون على المتسحرين ” رواه أحمد.
الوظيفة الرابعة عشرة: اظهر فرحتك بقدوم العيد كما أظهرت فرحك بقدوم رمضان، وسيبقي لك إن شاء الله الفرح الأعظم حينما تقدم علي مولاك فيوفيك أجرك الذي تفضل به عليك قال – صلي الله عليه وسلم – ” للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك” متفق عليه.
وهذه الفرحة لن تكتمل إلا بأن تخرج وأولادك ونساءك إلي مصلى العيد في المصلى فتشهدون الخير ودعوة المسلمين، وتظهرون التكبير لله جل علاه علي نعمه وآلائه التي لا تحصى ولا تستقصي، ممثلين قوله جل فى ثناه، وتبارك فى علاه:( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة من الآية:185.
واعلم أن المؤمن، يجتمعُ له في شهر رمضان جهادان: جهادٌ لنفسه بالنهار على الصيام، وجهادٌ بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وفِّي أجرُه بغير حساب.
قال كعبٌ: ينادي يوم القيامة منادٍ: إن كلَّ حارث يُعطى بحرثه ويزادُ، غير أهل القرآن والصيام، فيعطون أجورهم بغير حساب. ويشفعان له عند الله ، كما في المسند عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما -، عن النبي – صلي الله عليه وسلم – : ” الصيام والقيام: يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب، والشهوات المحرمات بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه فيشفعان “.رواه أحمد فى مسنده.
فالصيام يشفع لمن منعه المحرمات كلَّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، يقول يا رب منعتُه شهواته فشفعني فيه، وأما من ضيَّع صيامهُ، ولم يمنعه مما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يُضرب به وجهُ صاحبه، ويقولُ له: ضيعك الله كما ضيعتني.
قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شُمَّ رأسه. قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال شم قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصيام. فيقال: شُم قدميه. فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله.
وكذلك القرآن: إنما يشفع لمن منعه النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن، وقام به، فقد قام بحقّه، فيشفع له. وقد ذكر النبي – صلي الله عليه وسلم – رجلًا فقال: ذلك لا يتوسَّدُ القرآن أي لا ينامُ عليه، فيصير له كالوسادة.
وروى أحمد من حديث بُريدة مرفوعًا: إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشقُّ عنه قبرهُ، كالرجل الشاحب – يعني المتغير اللون- فيقول: هل تعرفُني؟ فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكلُّ تاجر من وراء تجارته فيعطى المُلْكَ بيمينه، والخلد بشماله، ويوضعُ على رأسه تاجُ الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذَّا كان أو ترتيلًا.
وفي حديث عبادة الطويل: إن القرآن يأتي صاحبه في القبر فيقول له: أنا الذي كنت أسهرُ ليلك، وأظميءُ نهارك، وأمنعُك شهواتك، وسمعك وبصرك، فستجدني من الأخلاء خليل صدقٍ، ثم يصعد، فيسأل له فراشًا ودثارًا، فيؤمر له بفراشٍ من الجنة وياسمين من الجنة، ثم يدفع القرآن في قبلة اللَّحد فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك.
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن: أن يُعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناسُ يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
وقال وُهيبٌ: قيل لرجل: ألا تنام؟ فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي؛ وصحب رجلٌ رجلًا شهرين فلم يره نائمًا. فقال: ما لي لا أراك نائمًا؟ قال: إن عجائب القرآن أطرْن نومي، ما أخرج من أعجوبةٍ إلا وقعتُ في أخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: إني لأقرأ القرآن وأنظرُ فيه آيةً آيةً، فيتحيرُ عقلي، وأعجبُ من حفاظ القرآن، كيف يهنيهم النوم، أو يسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كتاب الله؟ أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واسْتَحْلُّوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم، فرحًا بما رزقوا.

More Stories
جابر بغدادي: الإساءة للنبي توقظ الأمة وتزيدها حبًا وصلاةً عليه
دولة التلاوة”.. مصر تثبّت ريادتها وتقدّم أضخم منصة لإحياء فن التلاوة وأصوات القرآن الكريم
الراجحي: تقديم تجربة حج ميسّرة وآمنة المصريين بالتنسيق التام مع لجان الوزارة والغرفة