بقلم: أحمد محمود شرقاوي
طول عمري مؤمنة بإن عالم الجثث ده عالم غريب، استحالة تقدر تفهمه أو حتى تتوقع فيه أي حاجة، وده ببساطة لأن الجثث بتشوف وبتسمع، وممكن في موقف ما تتحرك، عشان كدا بنقول دايما إن اكرام الميت دفنه..
…………
قاعدة في النبطشية كالعادة ولقيت الدكتور أمير بيكلمني عشان انزل للمشرحة، وعرفت ان فيه جثة جديدة جت، نزلت للمشرحة لقيت الأمن واقف قدام عربية الاسعاف مستني عشان امضي على التقرير عشان يسمح للمسعفين انهم يدخلوا للمشرحة بالجثة..
مضيت على التقرير ولقيت معاه محضر الشرطة، طلبت من المسعفين انهم ينقلوا الجثة لطاولة التشريح ويسيبوها، شوية ولقيت اتصال من الدكتور أمير بيستعجلني على التقرير لأن النياية منتظراه بسرعة، وفورا لبست الجوانتي وبدأت اشتغل فيها..
تأملت الجثة لقيتها لبنت زي القمر ويمكن أجمل منه، لدرجة اني شكيت انها ميتة، البنت كأنها نايمة بكل براءة وسكينة الدنيا، وكانت لابسة لبس فضفاض واسع جدا ومش ظاهر على جسمها او وشها أي علامة من علامات الموت، لدرجة اني كنت هبعت للدكتور أمير صورها عشان ابلغه اني شاكة انها ميتة..
طردت الوسواس ده وبما انها بنت رفضت انادي عم ياسر عامل المشرحة وقولت مش هكشف جسمها قدامه، انا هعمل التقرير وخلاص، قربت منها بهدوء وحاولت اكشف جسمها بس كان فيه شيء غريب جدا..
انا مكنتش قادرة احرك الجثة اطلاقا، كأنها عاملة زي الجبل، ولا عارفة احركها يمين ولا شمال، مع ان البنت نحيفة وجسمها ميعديش ٦٠ كيلو بكل الأحوال، قولت مش مهم، روحت أجيب المقص عشان اقص اللبس من عليها وبعدها ابعتها تتغسل وتتكفن على طول في اوضة الغُسل عند مرات عم ياسر..
جبت المقص من الدرج ورجعت لقيت ركبتين الجثة مثنيين لورا بطريقة عجيبة، كأنها انكمشت على نفسها، ضربات قلبي زادت وحسيت بقشعريرة بتمسك في جسمي كله، انا واثقة جدا ان المسعفين حطوا الجثة مفرودة، غير اني كنت شايفاها من لحظات..
حاولت اتجاهل الموضوع وشديت رجليها فردتها بهدوء، وقبل ما افتح المقص شوفت بعيني ركبة الجثة بتتسحب بكل هدوء لورا تاني، عشان تنكمش على نفسها، في اللحظة دي بصيت على وجه الجثة، ورجعت مكاني من الخوف، وشها كان عابث، غضبان، عكس الوش اللي شوفته من لحظات وكان مبتسم وبرئ جدا..
وقفت قدامها مش عارفة اعمل ايه، انا متعودة وقت التشريح على همسة، حركة، انما ده أمر عجيب جدا، قربت المقص من اللبس عشان اقطعه حسيت برعشة مسكت الجثة كلها، رجعت لورا من تاني ومبقتش فاهمة ده ايه..
رغم اني شغالة هنا من زمان بس أول مرة اخاف كدا، كأنها اول مرة ليا، وقتها حسيت ببرودة المشرحة، وشوفتها ازاي مخيفة ومرعبة بلونها الابيض..
سبت المكان وروحت لعم ياسر وانا بفكر هل استعين بيه ولا اعمل ايه، مع اني كنت محرجة اكشف جسمها قدامه، خاصة انها سليمة جدا مش جاية في حادثة او جسمها ازرق بزرقة الموت..
رجعت تاني وانا محتارة، مش عارفة اعمل ايه، قربت من الجثة بهدوء وقربت المقص من رجليها و
وضربتني برجليها في بطني بقوة، صرخت صرخة مكتومة ورجعت ابصلها برعب، لقيت رجليها بتنكمش تاني على نفسها ووشها كأنه مولع من الغضب، ناديت عم ياسر وانا بترعش وطلبت منه ينادي مراته زينب تقف معايا، على الرغم ان ده مش شغلها بس هو ناداها فعلا، وجت زينب تقف معايا، رجعنا للجثة لقيناها رجعت للوضع البشوش من تاني، زينب شافتها وراحت مكبرة بصوت هادي وقالت:
– ما شاء الله كأنها رايحة الجنة والله
بصتلها بخوف وقولت:
– الجثة مش عايزة تتشرح يا زينب
لقيتها بصتلي بقلق وقالت:
– ازاي يا دكتورة
– جربي كدا تعريها عشان افحصها
قربت زينب منها ومسكت العباية و
لقيتها ارتدت لورا وهي بتقول:
– بسم الله الرحمن الرحيم الجثة زقتني يا دكتورة
وقفت مش قادرة انطق ولا عارفة اقول ايه، وبصوت مبحوح جدا قولتلها:
– جربي تاني
قربت منها لقيت وشها اتحول تاني للغضب ورجليها ضربت زينب بكل عنف، لدرجة انها شهقت ووقعت في الأرض، ولقيت الجثة بتسحب رجليها تاني عشان تنكمش على نفسها، في اللحظة دي اتصل بيا الدكتور أمير عشان يستفسر، رديت عليه وانا مش قادرة اتلم على أعصابي، قولتله اني قربت اخلص، سألني عن التقرير المبدأي قولتله يصبر شوية..
وقفت زينب تبسمل وتحوقل وقالتلي بخوف:
– بلاش يا دكتورة
بصتلها بتوتر وانفعال وقولت:
– بلاش ايه
– البنت رافضة تتشرح
وبدأ شكي يتحول ليقين ان البنت دي مش ميتة أصلا، طلبت من زينب تنقلها لاوضة تاتية عشان اقيس نبضات القلب، وفعلا نقلناها وانا جسمي كله لسة بيترعش، شوفت النبض لقيته صفر، كل الأجهزة الحيوية مش شغالة من الأساس، امال ايه اللي انا شايفاه ده، رجعنا المشرحة تاني وبصيت لزينب وانا ساكتة، لقيتها اتكلمت وقالت:
– يا دكتورة انا شايفة في وش البنت دي حسن الخاتمة، فبلاش نعاند نفسنا
– طيب اعمل ايه في التقرير
– اكتبي هبوط حاد في الدورة الدموية وانا هغسلها وهكفنها وخلاص
– وهكذب يا زينب، دنا عمري ما عملتها
– احنا مش هنكذب، البنت استحالة تكون مقتولة، جسمها سليم جدا، وطالما هي رافضة تتشرح فاحنا منعاندش
سبتها وروحت اقعد في مكتبي افكر، دقايق من التفكير وبدأت أحس بصداع غريب بياكل في دماغي، حطيت دماغي على المكتب وغمضت عنيا لحظات، كان وقتها الصداع بينهش في دماغي، رفعت راسي من على المكتب وفوجئت بالبنت واقفة قدامي بالظبط..
شهقت ورجعت مكاني وانا مش مستوعبة ازاي اتحركت وجت لحد عندي، كانت بصالي بعيون بريئة جدا، ركزت في عنيها لقيت دموع بتنزل ولقيت صباعها بيتحرك يمين وشمال، كأنها بتقولي لا، وشهقت مرة تانية لقيتها اختفت من قدامي، مبقتش عارفة انا غفلت وده كان حلم ولا دي كانت حقيقة، في اللحظة دي اتصل الدكتور أمير، تمالكت نفسي وقولتله “هبوط حاد في الدورة الدموية”
وبدأت اجهز التقرير، وقولت لزينب تغسل البنت وتكفنها، خلصت التقرير وحسيت اني عايزة أشوف الجثة لأخر مرة، قبل ما يتقفل عليها الكفن، روحت ليها وشوفت ملاك في الكفن مش مجرد بنت، كانت مبتسمة ونايمة في سلام تام، واتكفنت وبعتناها لأهلها عشان تتدفن..
بس انا كنت هموت وعايزة أعرف البنت دي ايه حكايتها، خدت عنوانها من محضر الشرطة وطلبت من زينب بما انها من أهل البلد انها تعرف حكايتها، وبعد يومين بس وصلني الخبر كامل..
البنت دي بنت محامي شهير في البلد، امها ماتت وابوها اتجوز واحدة تانية، واحدة ست كانت شيطان بكل معاني الكلمة، كانت بتكره سماح بنت جوزها كره العمى، وكانت عايزة تطفشها من البيت بأي طريقة، كل البنات كانوا عارفين ان سماح كانت قريبة من ربنا بدرجة كبيرة جدا، وكانت فيه دعوة على لسانها اربعة وعشرين ساعة “اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك”
واتوفت البنت في يوم وهي بتصلي، بس من حقد مرات ابوها عليها حتى وهي ميتة بلغت اخوها اللي كان مستشار انها شاكة ان جوزها هو اللي قتل بنته، وكأنها كانت كارهة البنت وعايزة تنتقم منها حتى بعد موتها، عشان كدا بلغت عشان البنت تتشرح، واخوها بلغ الشرطة اللي حضرت وحولت البنت للمشرحة عشان تتأكد من وفاتها، بس سبحان الله البنت متشرحتش وراحت قبرها زي العروسة في ليلة زفافها.. واتبقى الذنب اللي هينهش في الست لحد موتها..
…………..
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك
…………..
ترقبوا أعمالي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٢ ضمن اصدارات دار ببلومانيا للنشر والتوزيع..
رواية “إني رأيت”
سلسلة مائدة الفزع العدد الثالث “لعلهم يرجعون


More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب