نوفمبر 1, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

رمزيات الفراولة ! بقلم وليد محمد محمد صالح

ربما لا يختلف إثنان على أن رائحة الفراولة المنبعثة من داخل ثلاجة منزلية تحتويها هى من أزكى روائح الأغذية على الإطلاق , سواء أكانت تلك الأغذية طازجة أومصّنعة أومطهية , تلك الرائحة التى ترفع مستويات هرمون السعادة فى المخ وتنشرح لها النفس وتجعل الواحد منّا يتمنى لو ركب سفينة فضاء تهبط به على كوكب من الفراولة , أرضه وحوائطه وكل ما فيه من الفراولة ,تماما مثل ذلك المشهد الذى يعرفه محبو حلقات كرتون توم وجيرى حيث تم إرسال الفأر جيرى فى إحدى مكافآت القدر إلى كوكب من الجبن الرومى !!
و لأن هذا الكوكب الفراولى لا وجود له فى الواقع فإن القدر لو أراد إعطاء الواحد منّا مكافأة من هذا النوع فسيذهب به إلى شيئ أومكان توجد به الفراولة بوفرة حيث يأكل منها بكثرة دون حساب إلا شيئ واحد هو مدى تحمل معدته !!
وهذا ما حدث بالضبط لكاتب هذه السطور فى أولى مكافآت القدر فى هذا العام الجديد : ذهبت للعمل فى مصنع للفراولة , حيث نقوم بتجهيز الفراولة للتصنيع وأيضا نأكلها أثناء ساعات العمل !!
ولقد وجدت من خلال أيام عملى فى عالم من الفراولة أنها تحتوى على رمزيات لها دلالات أفردها لكم فى السطورالتالية .
(2)
أولى رمزيات الفراولة هو الطموح , وليس فقط الطموح و لكن إنجازهذا الطموح , فمقولة أن من ينظر إلى أعلى تؤلمه رقبته هى مقولة لا تعترف بها الفراولة و لا يعترف بها ذوو الطموح و ذوو الهمم العالية .
فمما لا يعلمه كثير من الناس أن الفراولة ليست من الفاكهة وإنما هى مجرد خضار , هى خضار مثل أى خضار تباع منه الربطة بجنيه واحد أو الكيلوجرام بثلاثة جنيهات حسب النوع و حسب سعر السوق , لكن خضار الفراولة يختلف عن الباقين , نعم هى خضار لكن مكانها هناك عند تجار الفاكهة حيث تجلس مع الكبار على مائدة واحدة , ولم تكتف الفراولة بما وصلت إليه بل إن سعرها عند تجار الفاكهة لا يفوقه سعر أية فاكهة أخرى إلا التفاح و أحيانا البرقوق و ربما الكريزالمستورد من لبنان , أما فى أفخم محلات العصائر فعصيرها هو الأغلى ثمنا على الإطلاق .
الفراولة كسرت كبرياء وغطرسة الفاكهة التى لطالما نظرت إليها أعين الفقراء دون استطاعة شرائها .
ولقد شاركتها فى هذا الطموح أنوع أخرى قليلة من الخضار فعلت نفس ما فعلته الفراولة مثل البطيخ و الكنتالوب والشمام و القرع العسلى , لكن الفراولة تتفوق عليهم جميعا بأنها تؤكل كلها تقريبا وليست كالبطيخ الذى يرمى ثلث وزن ثمرته قشرا !!
بل إننا عندما نقارن بين عصير الفراولة وبين عصير البطيخ فإننا بسهولة يمكننا اعتبار فكرة عمل عصير من البطيخ أصلا هو ضرب من قلة العقل والشطط فى مجال الصناعات الغذائية , فالبطيخ يؤكل و لا يعصر , أما عصير الفراولة فشيئ آخر و شأن آخر , فهو الداخل فى تصنيع الأدوية لتحسين طعمها و إقناع المرضى بتناولها خاصة الأطفال ,وهو المعتمد عليه فى مجال الألبان لرفع سعر بيعها وإكسابها صفة التميز , وهوالعزيز وجوده مصنّعا ومعروضا على أرفف المحلات والمتاجر , نادرا ما نجد زجاجة من عصير الفراولة تنتجها إحدى الشركاتلا أعلم لماذا , حتى شركة المياه الغازية “بيبسى” كانت منذ بضعة عشر عاما قد أنتجت منتجا من المياه الغازية بطعم ونكهة ولون الفراولة ظل معروضا فى ثلاجات المحلات لشهور ثم توقف إنتاجه .
فعلا الفراولة بين كل الخضار بل و بين كل الفاكهة شيئ آخر وشأن آخر .
(3)
ثانى رمزيات الفراولة هى رمزية تكاثف الضعف إلى قوة بل وقوة مفرطة .
و الأمر يشبه تكثيف الضوء العادى الضعيف إلى قوة مدمرة وقاهرة هى الليزر .
فعصارة الفراولة العادية قد تحولت فى يدىّ إلى مادة حارقة حرقت أجزاء من يدى مما احتجت معه للابتعاد لفترة عن الإمساك بثمارها بل و احتجت لشراء علاج من الصيدلية , فإن الإمساك بعدة ثمار من الفراولة لأكلها خلال عدة دقائق ليس كالإمساك بما يزيد عن عشرة آلاف ثمرة يوميا كل واحدة وحدها !
والأمر أيضا فيه رمزية الشر الكامن فى الخير , فمن كان يظن أن الفراولة البالغة الجمال والأناقة و الرّقة من الممكن أن تفعل ما فعلته باليد القوية المغطاة بالحراشيف !!
هل يذكر أحدكم قصة تلك الذبابة التى قالت يوما ما :” من يوصلنى إلى العسل وله دينار ؟” فلما وصلت إلى العسل ووقعت فيه وأشرفت على الهلاك قالت :” من ينقذنى من العسل وله ديناران؟”
إن ما نظنه جميلا قد يحمل فى طياته بعض صفات القبح , وما حسبناه موسى قد نجده يوما ما بصفات فرعون !
(4)
ثالث رمزيات الفراولة هى نسبية نظرتنا إلى الأشياء والأشخاص .
أنا لا أعلم ما هذا الجمود على رأى ما أو وجهة نظر ما بل والتقاتل عليها بالرغم من أن كل شيئ نسبى , فما نظنه صوابا قد يتضح خطؤه يوما ما , و ما كنا على يقين من إنه من المسلّمات إذا به يكون قابلا للنقاش وللأخذ والرد .
فمثلا السائل الأحمر الغامق اللون المنتشر على إحدى الأرضيات الأسفلتية لو رآه مائة شخص فى أى مكان خاصة فى الضوء الخافت ليلا لشك تسعون منهم على الأقل أنها دماء , منهم من سيقول إنها دماء بشرية ثم يصعد بخياله إلى جريمة قتل أومذبحة قد حدثت فى هذا المكان , لكن لأننى وقت أن رأيت هذا المشهد كنت أعلم أننى فى مصنع للفراولة فكنت أدرك أن هذا عصير فراولة !
نفس فكرة الدماء التى وجدتها الشرطة فى المسرحية الشهيرة ” شاهد ما شافش حاجة ” ثم اتضح أنها مجرد طلاء أحمر وكان الممكن أن يدان بها بريئ .
ومثلا تلك الأجزاء غير الناضجة من حبيبات الفراولة هل الصواب أن تدخل فى التصنيع مع الأجزاء الحمراء الناضجة أم يتم استئصالها ورميها فى المخلفات أم أن لها اتجاه تصنيعى مختلف ومنفرد ؟
و مثلا هل الصواب أن نقوم فى عملية التصنيع بقطع الجزء الأخضر من كل ثمرة فراولة قبل الغسيل أم أن الأصوب أن يتم ذلك بعد الغسيل ؟
و أصلا هل من الصواب أن نقطع ذلك الجزء الأخضر أم نتركه كما هو مثلما يفعل صانعو صلصة الطماطم حيث أن الجزء الأخضر المسمى علميا بمنطقة الكأس هوما يعطى صلصة الطماطم اللون الغامق المحبب إلى المستهلكين ؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتثبت أنه لا يقين فى مجال المعارف البشرية , وأن كل شيئ نسبى وقابل للتشكل على وجهين و ربما أكثر من وجهين.
(5)
رابع رمزيات الفراولة هى رمزية الحقيقة العارية التى تظهر للناس كما هى دون إخفاء و دون تزوير .
فثمرة الفراولة تكاد تكون هى الثمرة الوحيدة التى تظهر بذورها للناظرين على عكس باقى الثمار سواء أكانت فاكهة أو خضر .
فكل ثمرة تخفى بذورها بداخلها حماية لها إلا الفراولة تظهر بذورها و كأنها دلالة على أنها ليس لديها ما تخفيه و ليس لديها ما تستحى منه .
و المهندسون الزراعيون وحدهم هم من يعلمون أن النقاط السوداء التى على سطح أية ثمرة فراولة و التى تعطيها الشكل المزركش هى بذور الفراولة , و التى أحيانا ما تنبت فيستغرب الناس أن ثمة أغصان خضراء خرجت من ثمرة الفراولة , و من يريد زراعة عدة نباتات من الفراولة منزليا ما عليه إلا أن يأتى بثمرة فراولة واحدة ناضجة ويقوم بتقطيعها لعشر قطع مثلا و يزرع كل قطعة منها فى التربة و سيجد أنها قد نمت و أعطته نبات فراولة جديد .
إن لثمار الفراولة سحر خاص يجعلك تتعلق بها و تحبها و تسرح فى رمزياتها كما سرحت أنا .
و فيها جمال جعل الناس يطلقون إسمها على بناتهم تدليلا , و جعل “صباح” لا تجد غيرها تشبيها لشفتى إبنتها فى أغنيتها الشهيرة :
آكلك منين يا بطة آكلك منين !
لفراولتين فى شفايفك حلوين حلوين !