فى تجربة جديدة و شيّقة من تجارب حياتى العملية قد عملت مع مكتب لتوريد العمالة للمصانع بالعاشر من رمضان و ما حولها , المكتب يقوم بتوفير العمل لكل من يريد العمل و المهنة هى عامل إنتاج , و كلما احتاج مصنع من المصانع إلى عدد ما من عمال الإنتاج يقوم بطلبهم من هذا المكتب أو نظائره من مكاتب توريد العمالة فيقوم المكتب بإمداد المصنع بما يحتاجه من العمال وفق اتفاق يتضمن قيمة أجر العامل و عدد ساعات العمل و أجر المكتب عن تلك الخدمة و ما إلى ذلك , و حتى كتابة هذه السطور و خلال شهر و نصف قد عملت بخمسة من مصانع العاشر من رمضان , و خلال تلك الجولة كانت لى ملاحظات و ذكريات و انطباعات و إبداعات .
عالم من الزجاج ! :
عندما قيل لنا أننا سنتوجه للعمل فى مصنع للزجاج سرحت بخواطرى و تتابعت الأسئلة فى ذهنى : ما الذى يصنعه هذا المصنع من تلك المادة الساحرة غريبة الأطوار ؟
هل يقوم مثلا بتصنيع الأدوات العلمية و الطبية كعدسات الميكروسكوبات و مناظير الجراحة ؟
أو هل يقوم بتصنيع بدائل لقطع العقيق المستخدمة بشكل أساسى فى أجهزة الليزر المستخدمة فى كافة المجالات التطبيقية ؟ فبدلا من استخدام قطعة العقيق إذا بنا نجد قطعا من الزجاج ذى الخواص الخاصة هو المستخدم مكانها ؟
و مادام الخيال قد وصل بنا إلى استخدام الزجاج كبديل للعقيق فى أجهزة الليزر فهل من الممكن أن ينتج مصنعا للزجاج قطعا من الزجاج تقوم مقام باقى الأحجار الكريمة الغالية الثمن و لها نفس نفاستها و ليس العقيق فقط ؟
هذه الأسئلة قد سألتها لنفسى و أنا أنتظر الأوتوبيس الذى سينقلنا إلى مصنع الزجاج لأول مرة , فإذا بى أجد المصنع بالكامل يصنع الأكواب ! كل إنتاجه أكواب و ما لها صلة بها من أدوات تناول المشروبات الباردة و الساخنة , نعم قد أصابنى الإحباط لأول وهلة لكن لا مناص من احترام التخصص , أى أنه لابد من وجود مصانع تصنع الأكواب على كل حال و هذا أحدها , و لنتمنى مستقبلا أن تقودنا الصدفة إلى العمل فى أحد المصانع التى تنتج المنتجات الزجاجية الغالية الثمن و البالغة الدقة والجديرة أكثر بالاحترام و القادرة أكثر على الإبهار , حيث إن تخصص هذا المصنع ربما يجيب على السؤال الأزلى الذى يتم طرحه من وقت لآخر : لما لا نتقدم بينما لدينا كل المقومات و الإمكانيات ؟ و الإجابة : المشكلة فى العقليات و سقوف الطموحات .
و أنا أتجول فى المصنع لا أستطيع إخفاء إعجابى بالقطع الزجاجية التى تنتجها خطوط الإنتاج , نعم كلها أكواب لكنها تكوّن تشكيلات جميلة تستحق الوقوف عندها بالنظر و الملاحظة , معرض من القطع الفنية التى صاغتها أياد ماهرة , و كمية ضخمة من الزجاج لم أرها فى حياتى من قبل , و بجوار كل خط إنتاج توجد شيكارة كبيرة الحجم توضع فيها القطع الزجاجية المتكسرة لكى تتم إعادة تصنيعها , وبالتالى قد سقط التشبيه الذى استخدمه صالح ابن عبد القدوس منذ مئات السنين فى إحدى أروع القصائد العربية عندما قال :
إن القلوب إذا تنافر ودها …. مثل الزجاجة كسرها لا يُشعب .
فقد تقدم العلم من بعد صالح ابن عبد القدوس و أصبح كسر الزجاجة قابلا للإصلاح بكل يسر و سهولة .
و إصلاح كسور الزجاج يتم تدريسه لأبنائنا بشكل سطحى فى مرحلة التعليم الأساسى تحت مسمى : ” تطبيقات استخدام التوتر السطحى ” , و لأن التوتر السطحى هو من خواص السوائل و ليس الجمادات فقط اتضح أن الزجاج هو مادة سائلة و ليست صلبة !
ألم أقل لكم إن الزجاج مادة غريبة الأطوار ؟
الزجاج فى حقيقته هو مادة سائلة , و ما يوضع فيه من مشروبات هى سوائل توضع داخل سوائل !!
و مازلت أذكر كلام أساتذتنا فى الفيزياء فى المرحلة الثانوية عندما كانوا يقولون إن أولى خواص المادة الصلبة هى أن لها طبيعة بلورية , أى أن جزيئاتها تترتب على شكل بلورة منتظمة , أما المواد التى ليست لها طبيعة بلورية فهى فى حقيقتها سوائل عالية اللزوجة كالزجاج و البلاستيك و الأسفلت , لنتخيل أن الأسفلت الذى تسير عليه سيارات النقل الثقيل هو سائل و ليس مادة صلبة !
مفاجأة أليس كذلك ؟!
أتمنى بعد الآن ألا يجمد أحدنا على رأى من الآراء فضلا عن أن يتقاتل الناس عليه , فقد اتضح أن كل ما نظنه يقينا غير قابل للنقاش هو فى حقيقته معلومة تحتاج إلى تصحيح .
و بهذا يتضح أن الزجاج هو المادة التى تحمل المتناقضات كلها فى ىن واحد .
هو سائل و صلب فى آن واحد .
و هو هش و مقاوم لاختراق الرصاص له فى آن واحد .
و هو شفاف و معتم فى آن واحد .
و شفافية الزجاج و انعكاس الضوء من عليه يقوم عليهما الكثير من علم الفيزياء من ناحية و من علم البصريات من ناحية أخرى , إذ إنه حتى عقود قليلة مضت كان هو المادة الوحيدة فى الكون باستثناء الماء التى يُرى ما خلفها , حتى تم ابتكار أنواع من اللدائن التى تماثل الزجاج فى شفافيته , بل إن مصطلح ” الشفافية ” و الذى يستخدم كثيرا فى مجال السياسة هو مشتق و ملاصق للزجاج لأنه فى الحقيقة لا شفاف إلا الزجاج و الماء !
و شفافية الزجاج هى الفكرة الأم التى تقوم عليها فكرة التخفى , إذ إن أساس رؤية أى جسم أو رصد أى جسيم هو أن ينعكس شعاع الضوء الساقط عليه فتتم رؤيته أو يتم رصده بواسطة الرادار , لكن لأن شعاع الضوء يمر من خلال الزجاج دون أن ينعكس فلا تتم رؤيته غالبا و إنما تتم رؤية الأتربة العالقة عليه .
و ” طاقية الإخفاء ” التى نعرفها من خلال الفيلم الكوميدى الشهير الذى أبدع فيه توفيق الدقن و عبد المنعم إبراهيم هى حقيقة تم اختراعها فعليا فى أمريكا منذ حوالى سبعين عاما مضت , حيث أجريت فى عام 1964 فى مدينة سياتل الأمريكية تجربة ناجحة لإمرار شعاع الضوء من خلال الأجسام تماما كما يحدث فى الزجاج و بالتالى فقد تم إخفاء تلك الأجسام تماما كما رأينا فى فيلم طاقية الإخفاء , و من يدرى ربما تكون تلك التقنية هى التى استخدمها الساحر دافيد كوبر فيلد عندما أخفى تمثال الحرية فى واحدة من عجائب العقود الماضية , فكل جسم يمر الضوء من خلاله فهو مختفى , و الفضل يعود أولا و أخيرا للزجاج و خواصه العجيبة .
دائما و أبدا كان حلم الكيميائيين و منتهى أملهم هو تحويل التراب إلى ذهب , و هم يقولون أن أينشتين لو كان قد تخصص فى الكيمياء و ليس الفيزياء و وجّه كل قدراته العقلية تلك إلى الكيمياء لاستطاع بالفعل التوصل إلى طريقة لتحويل التراب إلى ذهب , فهل من الممكن أن يأتى أحدٌ يوما ما و يستطيع تحويل رمال الصحراء إلى ألماس ؟!
الزجاج وحده هو من سيتولى الإجابة.

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي