نوفمبر 1, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

حقيقة جدوى العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب

 بقلم د.محمد عبد العزيز

كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية

تأتي خطوة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب كنتيجة لإجتياح روسيا لأوكرانيا كرد فعل سياسي واقتصادي من الغرب على ما تقوم به روسيا من عملية عسكرية تهدف للحفاظ على أمنها القومي في عمقها الجغرافي تاريخيا داخل أوكرانيا ، وجائت تلك العقوبات كمحاولة بائسة من الغرب جائت بعد محاولات عديدة بائسة من روسيا ناشدت فيها أوكرانيا والغرب بعدم التوسع العسكري لحلف الناتو على حدود روسيا وقوبل طلب وصبر روسيا بالرفض والمماطلة فكان خيار روسيا للعمل العسكري مع يقين تام من قبل روسيا بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية عليها وهي بالفعل تعاني طوال الوقت من العقوبات الاقتصادية الأمريكية الخالصة والأمريكية والأوروبية معا وبناءا عليه فإن الحفاظ على الأمن القومي الروسي لدى روسيا أصبح الآن أهم من استمرار سيناريو العقوبات الاقتصادية حتى لو أصبح السيناريو أكثر قوة وحبكة فضلا عن أن تزايد حبكة هذا السيناريو سوف يزيد من تعقيدات الأمر بسبب تشابك المصالح الاقتصادية بين روسيا والغرب خاصة مع أوروبا بما يؤدي لعودة نتائج تلك العقوبات بتأثيرات سلبية على أوروبا ذاتها ؛ ويمكن أن نستوضح عدم جدوى العقوبات الاقتصادية على روسيا للأسباب التالية :- .

تشابك المصالح الاقتصادية بين روسيا والغرب خاصة أوروبا بما قد يؤدي لوقوع نتائج ضارة لتلك العقوبات على أوروبا ذاتها وهو ما يفسر عدم موافقة كثير من الدول الأوروبية على تلك العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا ورغبتها في دراسة نتائج تلك العقوبات جيدا قبل الموافقة عليها لأن طرد روسيا من نظام التحويلات النقدية بالدولار الأمريكي “سويفت” سوف يعيق عمليات التبادل التجاري بين روسيا وأوروبا خاصة في مجال الطاقة وهناك دول أوروبية عديدة على رأسها المانيا تعتمد على الغاز الروسي بشكل رئيسي في كافة أوجه الحياة بها . . روسيا إعتادت منذ زمن طويل على التعايش مع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الغرب خاصة عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية العابرة للقارات وأصبح لدى روسيا خبرات في تفادي آثار تلك العقوبات بشكل جيد جدا.

روسيا استنفذت كل وسائل الدبلوماسية لتلبية طلباتها المشروعة في حفظ أمنها القومي قبل بدء العملية العسكرية وبالتالي هي تعي جيدا حجم التحديات التي سوف تواجهها خاصة العقوبات الاقتصادية وتجهزت لذلك جيدا طوال أكثر من شهرين هي فترة المهلة الروسية للغرب لتلبية طلباتها قبل بدء العملية العسكرية في أوكرانيا . قامت روسيا فور إعلان الغرب بدء سريان العقوبات الاقتصادية على روسيا بضخ أكثر من ٧٠٠ مليارات من “الروبل” العملة الروسية وقامت برفع الفائدة على الروبل إلى ٢٠% مما حد من زيادة سعر الدولار الأمريكي مقابل الروبل وشجع المواطنين الروس على الاحتفاظ بالروبل بدلا من الدولار وزادت ثقة المواطن الروسي في السياسة المالية والنقدية والإدارة الاقتصادية للنظام الحاكم في روسيا والثقة في مستقبل الحرب في أوكرانيا . الحرب على أوكرانيا لن تطول ولن يستمر استنفاذ الجيش الروسي والاقتصاد الروسي كثيرا نظرا لأن روسيا سوف تستخدم ما لديها من قدرات عسكرية وتكنولوجية قادرة على إنهاء الحرب سريعا ولم تبدأ روسيا تلك العملية العسكرية بالقوة الغاشمة لأنها تريد عدم ايقاع خسائر في المدنيين الأوكرانيين وتريد أن تكسب الشعب الأوكراني لكن لن تسمح روسيا للحرب بأن تمتد لأكثر من أسبوعين وفور تحقيق روسيا لما تصبو إليه سياسيا من تغيير النظام في أوكرانيا أو أخذ تعهد غربي وأوكراني بعدم توسع حلف الناتو على حدود روسيا فإن ذلك سوف يؤدي إلى إتجاه الكثير من دول أوروبا إلى تخفيف الضغط على روسيا اقتصاديا وبداية صفحة جديدة في علاقات الغرب مع روسيا وصفحة جديدة من تعددية الأقطاب في العالم خاصة بعد إعلان روسيا أنه لاقيمة للعالم بدون روسيا عند تفعيلها لمنظومات الردع النووي لديها تحسبا لأي تهور غربي وأوكراني . الصين وقعت منذ أيام قليلة وقبل بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا اتفاقيات صداقة وتعاون مع روسيا والصين كشريك استراتيجي للسياسات والاقتصاد الروسي وبلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين عام ٢٠٢١ ما يقارب ١٤٧ مليار دولار أمريكي والصين لن تتخلى عن روسيا لا سياسيا ولا عسكريا وسوف تعوض جزء كبير من أي خسائر اقتصادية قد تتعرض لها روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب . نظام الصين للدفع بين البنوك عبر الحدود CIPS سوف يساعد روسيا على التخطي نسبيا للعقوبات الاقتصادية خاصة المتعلقة بنظام Swift وقد تساعد تلك الخطوة على اعتماد الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر على عملة الصين “اليوان”.

استطاعت روسيا في الفترة الأخيرة قبل بدء العملية العسكرية في أوكرانيا من رفع الاحتياطي لديها من النقد الأجنبي والذهب معا إلى ما يعادل ٦٤٠ مليار دولار أمريكي نصفهم تقريبا بالدولار الأمريكي واليورو ونسبة ٢٠% منهم من الذهب وحوالي ١٣% منهم باليوان الصيني وهو ما يضعف تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب . ارتفعت نسبة تسوية التبادل التجاري بين روسيا والصين بالاعتماد على اليوان الصيني إلى أكثر من ١٧% في الفترة الأخيرة وهو ما يضعف تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب.

تزايدت العلاقات بين روسيا والصين في السنوات الأخيرة حتى أصبحت روسيا أكبر متلقي للقروض من البنوك الحكومية ومؤسسات القطاع الحكومي في الصين وهو قطاع بعيد نسبيا عن تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا مما يؤدي لاستمرار دعم القطاع الحكومي الصيني لروسيا في قادم الأيام وتقليل تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب ؛ ومن كل ما تقدم تتضح لنا الصورة الأكبر للمشهد العام للحرب والعقوبات بما يؤكد عدم جدوى وجدية وفاعلية ونجاعة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الغرب.