نوفمبر 1, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“ليلى ماتت قدام المقبرة”

ليلى البنت اللي كل طموحاتها في يوم من الأيام انها تخرج برة سوق السمك، تشم في يوم من الأيام ريحة غير ريحة السمك، وتشوف وشوش غير الوشوش المحفور عليها الشقى والتعب، ليلى حاولت تحقق حلمها، بس الحلم شاف نفسه كبير عليها..
………….
فاكريني ولا لا ؟!!
انا البنت المشلولة اللي عاشت في رعب الأيام اللي فاتت بسبب عفريتة مجهولة المصدر، وبسبب فتوح جوز أمي، فتوح اللي مات من تلت أيام بس، مات قدام مقبرة ليلى بطريقة بشعة، كأنه اتحنط قدام المقبرة وبقا جثة شكلها مخيف بتفوح منها ريحة الموت والدمار..
واكتشفت ان مع موت فتوح ناس كتير ارتاحت، أولهم أمي، واخرهم تجار سوق السمك، وحتى تجار المخدرات، متستعجلش وهتفهم كل حاجة، يومها جتلنا زيارة من واحدة ست عجوزة اوي، افتكرناها في الأول انها كانت جاية تعزي في موت فتوح، بس اكتشفنا انها كانت جاية تتأكد من موت فتوح..
حسيت ان في عنيها حكايات وحكايات، وفي ملامح وشها سنين وسنين من الشقى والهم والغُلب، وحتى هي لما شافتني مشلولة وقاعدة على الكرسي أشفقت عليا جدا، ولقيتها بتتكلم معايا بعيون مطفية، مفيهاش أي بريق..
– اسمك ايه يا خالة
– اسمي أم ليلى
جسمي كله اتهز وبدون وعي مني قولتلها:
– ليلى سميح سميح
لقيت جسمها كله بيتهز وايديها بتترعش بقوة وقالت:
– ايوة ليلى سميح سميح
– مين اللي قتل بنتك يا خالة
لقيتها بصتلي بغضب واتكلمت بصوت خشن:
– اللي انا جاية اعزي فيه
وبدأت تحكي، تحكي قصة شبه قصتي، وكأننا كتير اوي في الزمن ده..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
اتولدنا لقينا نفسنا بياعين في سوق السمك، قدر واستحالة تعرف تغيره، وده لأنك بتعيش حياتك كلها بتحارب في عدو عنيف اسمه الفقر، اليوم اللي مش هتشيل فيه الجردل بتاعك وتقف في طابور المزرعة تاخدلك كام كيلو سمك عشان تبيعهم مش هتعرف تشتري أكل فيه..
وانا استوعبت الفكرة دي بسرعة، وكنت كل يوم الصبح اخود الطبق الخشب الكبير والجردل بتاعي، واقف في طابور مزرعة السمك، اخود ٢٠ كيلو، واركب اي عربية نقل توديني ناحية السوق، والحق مكاني، اقعد على الأرض جمب زمايلي وافضل ادلل على البضاعة بتاعتي..
في كل كيلو فيه ٥ جنيه مكسب، فلو ربنا كرمني وبعت ال٢٠ كيلو كنت بكسب ١٠٠ جنيه يوميا، يادوب تكفيني انا وليلى بنتي ونشيل منها جزء بسيط للإيجار..
واتربت بنتي ليلى على فلوس السمك، وبقت بتنزل معايا يوم بعد يوم عشان تشتري وتبيع معايا، خاصة بعد ما صحتي استنزفت نهائيا وبقيت مبقدرش حتى أشيل القُفة بتاعت السمك..
وظهروا، بلطجية السوق اللي كانوا بيلموا الاتاوة مننا يوميا. ويا ويل اللي مش هتدفع، حتى لو مكنتش باعت نص كيلو، وكان المسؤول عن الشارع اللي انا فيه واحد اسمه فتوح..
كان مشهور في سوق السمك، وعنده دولاب مخدرات في الحواري اللي جوة، يبيع مخدرات ويلم الاتاوة من البياعين، كان بيتعمله ألف حساب من الكل، خاصة بعد كم المشاكل اللي عملها والناس اللي علم عليها بمطوته..
لحد ما بدأت الاحظ وقفته قدام فرشتنا كتير في السوق، وخاصة عشان يتابع بنتي بعنيه، بنتي اللي اكتشفت انها كبرت بسرعة، وجسمها ظهرت عليه ملامح الانوثة الشديدة، بل وبقا الكل بيتصيد يستنا انها تقوم او تقعد عشان يبصلها..
بس محدش منهم كان هيقدر يتجرأ عليها غير فتوح، فتوح اللي في البداية بقا يعفينا من الاتاوة كل يوم، وبقا يتعمد يقف جمبنا كتير كرسالة ان اللي هيقرب من ام ليلى أو ليلى انا اللي هقفله..
بس واضح اوي انها كانت لعبة دنيئة اوي منه، لأنه ابتدى يلمح لبنتي انه عايزها، عايزها في الحرام، ماهو واحد زي ده عمره ما يعرف حاجة اسمها حلال، حاول انه يتحرش ببنتي مرة في زحمة السوق بس وقفتله بكل غضب، بل وزعقت فيه وكانت هتضربه..
ودي كانت القاضية اللي خلته يتحول علينا ١٨٠ درجة، مهو مينفعش فتوة السوق حد يزعقله بالطريقة دي، تاني يوم بس لقينا بياعة تانية قاعدة في المكان بتاعنا في السوق، وهو كان واقف ومبتسم..
استعوضت ربنا وخدت بنتي عشان نمشي، بس ليلى كانت قوية، مبتخافش، الفقر خلاها تشوف كل حاجة صغيرة اوي، ضربت الست وخدت المكان غصب عن الكل، وانا كنت حاطة ايدي على قلبي وخايفة، واللي خوفت منه حصل، كلها دقايق وجه تلت رجالة رمولنا السمك في الأرض وكسرولي القُفة بتاعتي..
وحتى ليلى اتضربت واتهانت قدام كل الناس، بقينا اقل من الحيوانات في المعاملة، ومشينا مكسورين قدام الناس كلها، وروحنا ندور على لقمة عيش في مكان تاني..
بس تعبنا، تعبنا اووي، لحد ما فوجئنا في ليلة بفتوح جاي يزورنا، استقبلته ليلى بالسب واللعن بس هو استحمل، واعتذر، وأقسم انه مش هيضايقنا تاني اطلاقا، بل وجبلنا أكل كتير اوي معاه..
وكلنا من الأكل، وفي الليل قامت ليلى تصرخ من وجع في بطنها، ومن خيالات بتشوفها بتمشي على الحيطة، فضلت كدا تلت أيام كاملين، ورابع يوم قامت كأنها لسة مولودة، مبتسمة وفرحانة، وخدتني ونزلنا سوق السمك..
لقينا المكان بتاعنا موجود، وفتوح مشتري سمك جديد لينا، بس الغريب ان بنتي فضلت طول اليوم تضحك وتهزر مع فتوح كأنها بتحبه اكتر من نفسها، وانا فهمت واتقهرت، فهمت ان الأكل اللي كلته بنتي كانت فيه سحر، سحر بالمحبة، مانا بفهم في المواضيع دي اكتر من أي حد..
كنت بدعي ربنا كل يوم ان الأمور متطورش اكتر من كدا، بس للأسف ده محصلش، وبقت بنتي بتخرج كتير وتسهر في السوق مع فتوح، وهو وعدها انه هيتجوزها، ووعدها انه هيسيب البلطجة وتجارة المخدرات كمان..
بس جالنا الخبر في ليلة انه أصلا متجوز، وقتها ثارت بنتي، وتاني يوم عملت معاه خناقة كبيرة في سوق السمك، غير انها فضلت طول اليوم ترجع الاكل والمية، ودي كانت علامة انها بتتعافى، وبترجع تشوف الشخص ده تاني على حقيقته..
لحد ما جت اسوأ ليلة في حياتي، ليلتها سمعنا صوت خبط قوي على الاوضة اللي ساكنين فيها، ولقينا واحد بيقول لبنتي ليلى ان فتوح اتخانق واتقتل، بنتي طلعت تجري معاه، كانت لسة مسحورة بيه..
ونزلت تقابله، وبعدها، وبعدها، تاني يوم لقينا جثة بنتي في الخرابة، كانت متبهدلة وعريانة. بنتي حد اغتصبها بعنف، ولما قاومت لأخر نفس قتلها، قتلها بعد ما عورها الف مرة في جسمها بسلاحه، ولولا مقاومتها كانت هتعيش، بس هي كان عندها شرف، وقاومت لأخر نفس، قاومت لحد ما ماتت، حاسة بيها، حاسة بكل لحظة رعب وخوف وألم حست بيها وقتها، ماتت وانفطر قلبي للأبد معاها..
يومها جريت اصرخ في السوق، قلت لكل الناس ان فتوح اللي اغتصب بنتي وقتلها، بس كل الناس كانت ساكتة، محدش نطق بكلمة، حتى هو كان عامل حسابه وكان في الوقت ده معاه امين شرطة شاهد انه كان في القسم بيشهد في خناقة..
وضاع حق بنتي، وفوضت أمري لله إن الله بصير بالعباد..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
السات كانت بتبكي، بتتنفض، وانا دموعي كانت بتسيل، طبطبت عليها وبدأت اتكلم:
– انا وامي كمان دوقنا المُر على ايد فتوح، فتوح اللي اتجوز أمي واغتصبها قدامي، ودلوقتي بس افتكرت لما قالتله انا قرفانة منك عشان كان على جسمه دم، وهي دي الليلة اللي اغتصب وقتل فيها ليلى، بس واضح انه مكنش شبع فجه يكمل في أمي، فتوح كمان اتحرش بيا وكنت هدوق اللي بنتك داقته.. لولا ليلى بنتك
لقيت الست بصتلي بذهول وقالت:
– بنتي
– ايوة بنتك، شوفتها كذا يوم بتلف حولين المقبرة، بنتك تواصلت معايا عشان اودي فتوح عند مقبرتها اللي اتدفنت فيها، مع انه كان بيسهر في المقابر ويحشش كتير، بس هي كانت عايزاه بالأخص قدام قبرها، عشان تبقا في اشد قوتها..
بنتك ليلى مسكت فتوح اغتصبته زي ما اغتصبها، انا شوفتها بعنيا، فتوح لقوه وشه اسود وجسمه زي اللي متحنط، عرفت انهاردة ان عضوه الذكري مكنش موجود مكانه، وجسمه كانت محروق بطريقة غريبة في أماكن حساسة..
بنتك جالها حقها يا أم ليلى، بنتك انتقمت
في اللحظة دي وقفت الست وهي مبتسمة ابتسامة اننتصار وحضنتني ومشيت بدون ما تزود نص كلمة..
وغرقت انا في بحر من الأفكار، كل واحد فينا شايف حياته صعبة، بس ياترى أصعب من حياة واحدة مشلولة، ولا أصعب من حياة بياعة سمك ماتت مغتصبة، ولا أصعب من حياة ناس فقرا كتير مش لاقيين تمن اللقمة، محتاجين نرضى ونحمد ربنا كتير اوي، نحمد ربنا لان البلاء اللي احنا فيه نعمة كبيرة لناس تانية..
والي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته، الله يرحمك يا ليلى..
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران200
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة
بقلم: أحمد محمود شرقاوي