قادتني قدماي بفضول غير مفتعل أن أرى برج ستيوارت بلندن الذي سقطت منه أجمل فتيات السينما المصرية على الإطلاق التي سحرت العيون وحركت القلوب وحيرت الألباب..قطعة الشيكولاتة التي تمناها كل شباب جيلها.. التي امتلكت أجمل ضحكة امتزجت بخفة الدم التي حركت قلب الحجر..الساحرة في الحديث والتمثيل والرقص الاستعراضي و الغناء..
تلك الفتاة السمراء التي الهمت الشعراء ونقشت في تاريخ السينما أروع اللوحات الفنية من حسن ونعيمة الذي كان سبب شهرتها وانتشارها بعد أن اكتشفها الشاعر عبد الرحمن الخميسي في مسرحية هاملت لشكسبير وقدمها إلى المخرج هنري بركات..الى ان تألقت مع رائد الواقعية في السينما المصرية المخرج صلاح ابوسيف في القاهرة ٣٠ والزوجة التانية واللذان اصبحا علاماتان بارزتان في تاريخ السينما المصرية..وبكل خفة الدم المصرية قدمت صغيرة على الحب…وبكل جبروت السينما المصرية قدمت فيلم الكرنك ومشهد الاغتصاب الذي زلزل تاريخ مصر برغم حرفية تصوريه بلا اسفاف او شبهة اغراء فالمشهد يمزق قلبك قبل أن يمزق ملابس سعاد حسني إلى الراعي والنساء الذي ختمت به اطلالتها السينمائية وهي تحتسي الالم… وهي التي ولدت لاب كان من أشهر الخطاطين في الوطن العربي و ينحدر أصله من دمشق وامها جوهرة وهي من أصول حمصية ولكنها وابويها مصريين حتى النخاع.. واختها من الاب الفنانة نجاة الصغيرة ولها اخ كان يعزف الكمان في فر قة ام كلثوم ..وقد دخلت بوابة الفن عندما اصطحبها زوج اختها سميرة الذي كان يعمل مديرا لقسم الاناشيد في الاذاعة إلى بابا شارو…لتغنى أولى اغنياتها”انا سعاد اخت القمر بين العباد حسني اشتهر” وقد اطلق عليها لقب السندريلا ١٩٩٦ عندما اختيرت في احتفال مئوية السينما المصرية في المركز الثاني في استفتاء افضل ممثلة في القرن العشرين..واذا كنا لانمل منها وهي تنادي على ابو العلا بكسر آلاف في الزوجة الثانية..
فإنني أيضا اذكر انه لم يكن في القاهرة ٣٠ الا قبلة واحدة..حكى لي قصتها المرحوم الفنان حمدي احمد عندما التقينا في حلقة العاشرة مساء مع المرحوم وائل الإبراشي عندما استصدرنا قرارا من رئيس الوزراء انذاك المهندس إبراهيم محلب بمنع فيلم “حلاوة روح” من العرض لمافيه من مشاهد تخيلية مخلة للطفل مع بطلة الفيلم…وعن المستوى التي وصلت اليه السينما من التعري والسطحية..فقال لي انه في هذه القبلة سمى باسم الله ولاحول ولاقوة الا بالله وطلب من المخرج أن يصطحب محمد عبد العزيز وهو مساعد المخرج انذاك خطيبته فر يال والتي أصبحت زوجته فيما بعد إلى البلاتوه وكانت قد طلبت الحضور لأول مرة إلى الاستديو لمشاهدة كواليس الفيلم وبالطبع لم يكن يعلم انه سيمثل هذا المشهد مع السندريلا في نفس اليوم…وكلما حاولت تعود لترى المشهد كان المخرج ينادي على مساعده بعدم الدخول…وعندما تم عر ض الفيلم حاول اقناعها انه تم تركيب المشهد فنيا…وكان بالطبع يحكي لي تندرا بالمقارنة بما يحدث في السينما اليوم وكان هذا اللقاء الذي اعتز به ومن حسن الحظ انه مازال على اليوتيوب حيث شاركنا منتج الفيلم احمد السبكي النقاش واحتد الأمر على الهواء مباشرة.. ونعود إلى قطة السينما التي امتلكت ناصية الجمال في زمن لافيه بوتكس ولافيلر فاسرت قلب العندليب عبد الحليم حافظ والذي احب فيها ضالته حيث فقد امه صغيرا ووجدت فيه حنان الاب الذي تركها مع امها وهي في الرابعة من عمرها…الحب الذي عاش قرابة الخمس سنوات وقيل انهم ارتبطا والعهدة على الراوي الاستاذ مفيد فوزي من ١٩٦٠ حتى ١٩٦٥ فكان اول بختها حيث تزوجت اربع مرات بعد ذلك ولكنها لم ترتدي فستان الزفاف قط في اي منها والمرة الوحيدة الذي ارتدته فيها كان في فيلم مال ونساء مع صلاح ذو الفقار واشيع انه تزوجها حيث مكث ابطال الفيلم على متن الباخرة عايدة قرابة اسبوعين متصلة لانهاء التصوير..
ولكنها كانت مجرد شائعة…لكنك تجد ها وهي تقدم عبد الحليم في احد الحفلات ليغني اغنية “الحلوة برموشها السودة الحلوة” تستطيع أن تنفذ إلى قلبها من خلال ضحكتها ولمعان عينيها اللذان كادا أن يحكيان قصة الحب التي جمعتهما..فإن صحت واقعة الزواج ام لم تصح..لكن واقعة الحب والعشق لايمكن لأحدهم أن ينكرها…حتى يوم وفاتها ٢١ يونيو كان ذكرى يوم مولد عبد الحليم ..ولايمكن ان تغفل ابدا أن صلاح جاهين أيضا قد كان شغوفا بحب السندريلا وارتبط به نفسيا وأصيبت بالاكتئاب بعد وفاته وبالصدفة كانت آخر أعمالها لاذاعة البي بي سي بعض من رباعيات صلاح جاهين بصوتها بعنوان “عجبي” وبرغم انها مثلت مع رشدي اباظة فيلم الحب الضائع..لكن الحقيقة التي لامراء فيها أن حبها لعبد الحليم وحبه لها كان هو الحب الضائع..حيث دهسته عجلات البحث عن الشهرة والاضواء وارضاء المعجبين التي كان يبحث عنها كليهما… وبعد أن امتعتنا بمسلسلها هو وهي مع الراحل احمد زكي داهمتها الام العمود الفقري وهي لم تزل صغيرة وسافرت إلى فرنسا لتجري جراحة تثبيت أوقفت الألم إلى حين ولكن لم يلبث الا قليلا ثم عاد أشد ثم العصب السابع وشلل بالوجه وعلاج بالكورتيزون ودوامته حيث زيادة الوزن لتتوالى المأسي فتفقد امها وتترك العلاج بدون استشارة الأطباء لتدخل في دوامة الاكتئاب فتشد الرحال إلى لندن لتمكث سنوات تحت العلاج وبعد أن قطعت شوطا كبيرا وعادت إليها لياقتها ولم يتبق في الطريق الا القليل وقد استنفذت كل ماتملك حيث تأخر قرار علاجها على نفقة الدولة والذي تم وقفه بدون سبب واضح …قررت أن تكتب مذكراتها واتصلت بأحد الصحفيين البارزين والذي شغل منصبا مرموقا بعد ذلك في التليفزيون المصري…
وبالفعل كانت قد بدأت تسجيل قصة حياتها على كاسيتات لتعود بها في محاولة لكسب بعض المال لتغطية نفقات علاجها ولكن القدر لم يمهلها فقد غادرت الحياة بصورة مأساوية ملقاة من الدور السادس من برج ستيوارت بعد أن تم فتح كوة في السلك الذي يحمي شرفة الشقة التي كانت تسكن فيها مع صديقتها وقد أقر بعض الجيران بحدوث جلبة وضوضاء في الشقة قبل السقوط وانه لم يعثر في مكان السقوط على دماء سائلة ترجح الانتحار…والروايات كثيرة لكن في النهاية هي قد رحلت بسرها..رحلت زوزو التي ملأت الدنيا بهجة وتفاؤل وغناء والتي خلدت حدائق الاورمان في فيلمها الذي شغل دور العرض قرابة عام كامل..واغنيتها التي أصبحت أيقونة الربيع والتي تسري في النفوس سريان العطر في شرايين الحياة فتملأ العمر بهجة وتسبغ الكون بضياء الشمس يعانق سفح النهر الخالد و جداول الشلالات إيذانا ببدأ حياة جديدة تتفتح فيها الورود وتنتثر العطور ..كنا نحس ونرى كل ما اسلفت ونحن نجاور حديقة الاورمان وهي تتهيأ لمهرجان الربيع حيث مشوارنا اليومي من القصر العيني إلى المدينة الجامعية ببين السرايات مرورا بها…سلاما على السندريلا وروحها وابتسامتها وعيونها السوداء المصرية الاصيلة الجميلة مع اقتراب فصل الربيع…لعله يأتي يختال ضاحكا كطلتها.

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي