تدنو ساعة الأصيل وتتكئ أريج على مضجعها في بهو حديقة منزلها حيث يقف قرص الشمس وقفة الوداع على قمة الصخرة الموازية لمنزلها الرحب متوهجا كلهيب الأحمر، شوقا لربيع العمر لحظات الصبا والشوق معانقا الشعاع المتوهج في عنان السماء كنفس أريج الشامخة، متذكرة شوقها لرؤية الأب الحنون خالد الذي كان يؤثر أريج عن إخواتها في البهجة والدلال،
انهالت البهجة والفرحة على قلب أسرة أريج والكل يردد عقبال وصول والدك يا أريج ، حيث يعمل مهندسا في سوريا وانقطعت الخطابات والمواصلات على أثر الحرب واشتباك الجيش في الجولان،
الجميع ملتفين حول خالهم محمود وهو يروي لهم حكايات الحرب وكيف بدأت وهم على جبهة القتال يسمعون دوي صوت الطائرات المحلقة في السماء ظننا بأنها غارة من غارات العدو ولم يعلموا بخبر العبور إلا من المذياع وهو يردد عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس وحطمت خط بارليف،كانت الحرب سرية للغاية حتى قادة الوحدة لايعلموا بها، هكذا الحرب خدعة وتدبير وحكمة وثبات وتنفيذ،
ثم يروي لهم كيف صمدوا في حصار الثغرة عند الدفرسوار وكيفية تغلبهم على الجوع بأكل الحشائش والأرانب البرية وتقطير المياة الجوفية ومياة المطر للشرب منها ، استشهد منهم من استشهد ونجا من نجا وأصيب من أصيب مثل إصابة محمود بكسر في ساقه اليسرى التي أثرت عليه طول عمره، لكن إصابته وسام على صدره، وسام الشجاعة والإقدام والنصر وعودا محمودا يا محمود،
انتهت الحرب وعاد المجال الجوي وذهبت أسرة أريج والدتها فاطمة وأخواتها باسم وعلاء ووفاء إلى سوريا حيث قضاء أجازة نصف العام مع والدهم خالد ،
قضوها بين التنزه في البساتين اليانعة وزيارة أسر زملاء والدها المهندس خالد
قضوا أجازة نصف العام ثم عادوا حيث الإقامة مع جدتها علية وخالها محمود الوحيد الباقي من إخوته بدون زواج ويتردد عليهم خالها أشرف وخالتها سهير من حين إلى الأخر،
التحقت أريج مع أخواتها بمدرسة الشهيد” إبراهيم الرفاعي” بطل الصاعقة المصرية في حرب أكتوبر ،والذي تم تحويل اسم المدرسة من مدرسة النصر إلى مدرسة ذلك البطل الذي تروى بطولاته على مر العصور،
أريج كانت تتمتع بوجه أبيض مضيء مثل قلبها الذي يحوي بداخله طفلة بريئة حتى بلوغها سن الخمسين ، وعانت كثيرا من هذه الطفلة التي مهما تقدم بها العمر فهي باقية راسخة في قلب أريج،
أريج كانت طفلة جميلة تلفت الأنظار لها ،لكن ربما هذا الالتفات يحظى القبول وربما يحظى الفضول والغيرة منها بكونها مميزة عن فتيات جيلها،
لكن هناك وجه مبتسم دائما في وجه أريج إنها أبلة سعاد معلمة التربية الرياضية بالمدرسة ، التي كانت تطلب أريج دون الطالبات لتفتتح العرض الرياضي في الحفلات والمسابقات الرياضية التي تنعقد في المدارس المجاورة،
وكانت أريج تفرح بتلك العروض وتترك دروسها في حصص المدرسة وتذهب للتدريب وتقوم والدتها فاطمة التي تعمل مدرسة في نفس المدرسة بلوم أبلة سعاد على ترك أريج حصص المواد الدراسية،
أريج كانت طفلة مدللة من قبل أسرتها فهي الثالثة في الترتيب بين أخواتها، لكن جمالها الذي يشبه الأجانب جعلها في منزلة تدليل لدى أسرتها وغيرة وحقد بين أقرانها في نفس الفصل ،
كانت ترتدي المعطف الجلد وتجلس في المقعد الأمامي للسبورة، وتقوم إحدى الطالبات الجالسات من الخلف بالكتابة بالجاف على المعطف أحمر اللون التى كانت تعتز به لأنها أحضرته من سوريا، تكتب عليه زميلتها مسألة القسمة المطولة وهم في الصف الخامس من عمرها وتخرج أريج به في فسحة المدرسة وتجد سخرية من التلاميذ حولها يرددون مسألة الحساب وهي لم ترى ماذا عن خلف المعطف، وتبكي ثم تقوم معلمة الفصل بجمع الطالبات الجالسات في المقعد الخلفي وتوبخهم وهم غير مبالين كل واحدة توجه التهمة على الأخرى، ويتكرر الموضوع هذه من المواقف الماكثة في ذاكرة أريج عن المرحلة الابتدائية كما تتذكر أيضا حفلات أخر العام ومشاركتها بالتمثيل والغناء وتتذكر أنشودة أخر العام عندما تغنيها ويرد خلفها كورال أطفال المدرسة وهي
على خير مضى العام
وجاء السعد والبشر
فقل ما شئت ياعام
كفاك العز والفخر
كفاك العز والفخر
سئمنا الخوف والجبن
أحببنا الحرب والسلم
بالحرب حررنا الأرض
وبالسلم رفعنا القدر
وبالضيف أنارنا الحفل
وقابلنا بالجود والكرم
على خير مضى العام
وجاء السعد والبشر
ثم تتذكر صوت أبلة سعاد وهي تدعوها مسرعة اذهبي لتغيير ملابسك لتفتتحي عرض الشرائط الملونة التي أحضرتها أريج من عند مكتبة الأمل التي تقع بجوار المدرسة ثم تفاجأ بتبديل شرائطها مع أحد الزميلات اللواتي تغرن غيرة عمياء من جمال أريج المفرط وأريج تصرخ أين الشرائط؟ لقد وضعتها بيدي في السلة ثم تنهال أبلة سعاد اسرعى امسكي أي شرائط بيدك سوف يبدأ العرض
ثم يبدأ العرض على موسيقى لحن سيد درويش طلعت يا محلى نورها شمس الشموسة،
دق جرس المحمول وإذ
، بصديقاتها الغالية والوحيدة التي خرجت بها وهي في خريف العمر” رانيا” حضرت لتطمئن عليها كعادتها،
هامت أريج في واحة خريفها إلى قطوف ربيع العمر والطفولة المبكرة حيث تعرفها على رانيا بالمدرسة وهي في العاشرة من عمرها، حيث وجدت فيها الحب والإخلاص وأهم صفة تبحث عنها أريج وهي فتاة تحبها لشخصها ولا تغار منها قط ، دخلت المعلمة صفية بصحبة التلميدة رانيا قائلة زميلتكم رانيا قادمة من الجماهيرية الليبية، حيث عمل والدها مدرسا لمادة الأحياء هناك وهي محولة وسوف تلتحق معكم بالصف الخامس الابتدائي، صوبت الطالبات أعينهن نحو رانيا المميزة في ملبسها وطلتها ووجهتها المعلمة بالجلوس بجانب أريج لأنها تشبهها في المستوى والطبع ،ابتسمت رانيا لأريج وأبدت لها الارتياح فبادلتها أريج الشعور العطش لمصاحبة فتاة تشبهها،
همت أبلة صفية بشرح الدرس على السبورة ولاحظت موهبة رانيا الفذة في حل المسائل بسهولة وعبقرية، فدهشت أبلة صفية من عقلها السابق لجيلها وسألتها أبلة صفية عن عمرها وكما توقعت أنها تكبر جيلها بعام لأن دخول المدارس في بعض الدول العربية على سبع سنوات، وكانت مدارسنا تقبل الست سنوات فأيقنت المعلمة أن رانيا سوف تتفوق على المدرسة بأسرها ،لم تقتصر شخصية رانيا على التفوق بحسب لكنها تحمل في طياتها شخصية قيادية من الدرجة الأولى علاوة على قدرتها في جذب وإقناع الأخرين بها ، وهاهي تطلب من أبلة صفية أن تصطحبهن إلى رحلة لمعرفة التاريخ والشخصيات التي أثرته بشجاعتها وإقدامها، فعندما شرحت لهم أبلة صفية درس التاريخ عن الضابط البطل أحمد عرابي ووقوفه أمام الخديوي توفيق بجملته الشهيرة ردا على قول الخديوي أنتم عبيد وتنتظرون الإحسان، قائلا لقد خلقنا الله أحرارا و الله الذي لا إله إلا هو لانستعبد ولا نقهر بعد اليوم، فردت رانيا لابد من زيارة متحف الضابط أحمد عرابي بمحافظة الشرقية المجاورة لهم ،وهمت أريج بجمع الاشتراكات وإقناع التلاميذ بالذهاب إلى هذا المتحف الرائع ، وهذه هي أول مرة تعلن فيها المدرسة عن رحلة مدرسية تعليمية لتطبيق الدرس على أرض الواقع ،وقضوا وقتا مثمرا في المتحف وتفاعل التلاميذ مرددين
أنشودة المتحف:
عرابي عرابي عرابي
زرنا متحف أحمد عرابي
عرابي شجاع ولاهمه
وقف أمام الخديوي وقال له
نحن لاعبيد ولامساجين
نحن أحرار موحدين
موحدين بالله الأحد
خلقنا لانركع ولانخضع لأحد
ولعة شرارة بركان
ثورة عرابية في كل مكان
لا لظلم العباد
ونصره لنفس الإنسان.
هكذا تردد تلاميذ مدرسة الشهيد إبراهيم الرفاعي الابتدائية عقب عودتهم في حافلة الرحلة في جو مبهج لبث الوطنية في نفوس التلاميذ منذ صغرهم وربط الماضي بالحاضر،
هذا عن درس التاريخ، لكن توجد مادة العلوم وكيفية صناعة الجبن، فأشارت رانيا أن يذهبوا إلى زيارة أحد مصانع الجبن بالبلاد المجاورة، فذهبوا إلى قرية الجميزة التي تتبع مدينة السنطة بمحافظة الغربية حيث وجود معملا كبيرا لصناعة الجبن والزبد،
أطفت رانيا تحولا كبيرا في حياة أريج التي كانت لاتطيق المدرسة نظرا لغيرة أقرانها منها، وتدبير لها المكائد حتى تصل إلى مرحلة الضيق والضجر وتخطئ وينالوا منها عند معلمة الفصل أبلة صفية،
انفصلت أريج عن عالم المدرسة وأصبحت صديقاتها الوحيدة رانيا هي محور حياتها ، وأصبحت أريج محبة للمدرسة لوجود شخص تألفه، إنها رانيا الناضجة بعقلها والمؤنسة بنفسها الخلوقة التي جعلتها متربعة على عرش قلب أريج،
عاد خالد والد أريج من سوريا إلى مصر حيث عمله في السد العالي بأسوان لكن فاطمة والدة أريج رفضت أن تمكث معه هناك وفضلت البقاء مع والدتها علية وأخيها محمود ، الذي عين مدرسا للرياضيات بعد انتصار حرب أكتوبر ،
تجتمع أسرة أريج الكبيرة في منزل الجدة علية كل يوم جمعة في أخر الأسبوع، ويحضر خالها أشرف وخالتها سهير وأولادهم، للعب والمزاح سويا ،لكن أريج لم تجد نفسها سوى مع صديقاتها رانيا، وتنتظر قدومها للهو معا في حديقة منزل الجدة علية، التى تحوي الأزهار والأشجار وخلايا النحل، يتذوقون العسل المصفى النقي الذي يعده الخال محمود بعد خروجه من الخلية ،
حضرت رانيا ذات مرة بوجه لم تراه أريج من قبل
الوجه العابس الشاحب ، قلقت أريج من تحول وجه رانيا التي لم تراه من قبل،
ما سر تحول رانيا وضيق نفسها؟
وما أثر ذلك على أريج؟ وهل يبتسم القدر للخال محمود بعدما خرج بإعاقة على أثر الحرب؟
فكروا معي إلى اللقاء في الفصل الثالث من روايتي
أريج الخريف.

More Stories
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة
حين يكتب النفاق قصائده