أبريل 25, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“نوادر العميان في مجتمعنا الغفلان” بقلم طارق حلمي الشناوي

الكارو

من ذكريات الثورة المجيدة أعادها الله عليكم بالخير واليمن والبركات, التي استمرت سنين طوال ولا تزال قائمة حتى الآن ولو كانت بداخلنا, فقد سجلت لدينا العديد من الذكريات التي لا تنسى ومنها أوقات الفزع والرعب التي كانت تجتاح المارة في الشوارع عندما تقوم أحدى المظاهرات غير السلمية حيث الكر والفر والصراخ والعويل الذي يأتي بعد بعض الانتظام في رفع الصوت بالشعارات والمطالب العادلة والمغردة والمؤيدة والرافضة, ولكن في النهاية لا يمكنك معرفة طبيعة من بهذه المظاهرة إن كانوا من الغوغاء أم المثقفين أم منهما معا, وهل هذا هو الشعب أم جماعة استأجرها البعض وسار وراءها العامة لرغبتهم في التغيير أيا كان, المهم في وسط هذه الهوجة كان أصحابنا من المكفوفين منهم المناصر ومنهم الرافض ومنهم الواقف على الحياد ومنهم من يشاهد على بعد ليرى ما ستنتهي عليه هذه المناوشات, ولكن كان الأهم بالنسبة إليهم الوقت الذي يصادف وجود مظاهرة غير سلمية أثناء وجودهم في الشارع, فإذا كانوا في أحد المواصلات فالترقب يثير شجونهم ويدور بخلدهم ماذا سيحدث لو أصاب هؤلاء المتظاهرون الجنون وأحرقوها أو ألقوا عليها الحجارة وتكسر الزجاج على رؤوسهم وأصاب عيونهم المصابة من قبل أو أي مكان أخر وماذا سيفعلون, وهل سيكون الناس لديهم الوقت لمساعدتهم أم سيفر كل منهم إلى حال سبيله منقذا نفسه كيوم القيامة, وحبذا لو ارتفعت الأصوات بالصراخ والعويل فلكل واحد منهم أن يتخيل ما يحلو له أو تصل إليه مخيلته, والحالة الأخرى إذا كان أحدهم يسير في الشارع أو ميدان من الميادين الكبرى وتفاجئ بالمظاهرة العارمة وبدأت الحجارة تحيطه من كل مكان والكل يصرخ حاسب ولا تعرف أين تهرب أو تختفي أو تنحني لتنقذ رأسك أم تنبطح أرضا حتى لا تصيبك الحجارة أو الرصاص سواء كان مطاط أم حي وحبذا قنابل المسيلة للدموع فتصيبه بالعمى على عماه ويظل حائرا بلا هدى, مشاعر وأحاسيس أصابت الكثير منهم في هذا التوقيت.

أما صاحبنا فكان من الملتزمين يحب الذهاب إلى عمله أو إن كان وراءه أي عمل أخر خارج نطاق عمله فلا يبالي كثيرا بهذه الأحداث ولكنها تثير داخله مزيج من القلق والرغبة في المتابعة, والتطلع لطبيعة المتظاهرين وجنسيتهم وانتماءاتهم وقراءة أغراضهم وأهدافهم من هذه الهوجة, وأحيانا ينكمش في البيت مترقبا أحداث أكثر قوة حسب قراءاته للأحداث اسابقة لذا يفضل الاعتكاف في البيت دون مجازفة.

وذات مرة بعد خروجه من العمل ركب سيارة أقلته إلى ميدان قريب من قسم الدقي ورفض السائق استكمال الطريق للزحام وقرر رغما عن جميع الركاب أن يدور عائدا حيث أتى وترك الركاب وصاحبنا يلقوا مصيرهم المحتوم, ووقف صاحبنا ينتظ فلا وجود لمواصلات تتحرك أمامه بل ثابتة مكانها كأنها اختارت هذا الميدان جراجا كبيرا, وقد طال الانتظار ولكن كله يهون طالما الجو هادئا والأمل في ركوب مواصلة ما زال موجود, ولكن فجأة انقلب الحال فقد فزعت السيارات الواقفة من مكانها وكأن النار قد اشتعلت بها فخطفها المنقزون لينحوها بعيدا حتى لا تصيب أحد بأي أذى, ففي الوهلة الأولى اعتقد أن الطريق بدأ يعود لطبيعته وأن الفرج آت, ولكنه وجد مع السيارات التي انطلقت كالسهم, أناس يهرولون هنا وهناك, هذا يصرخ وهذا يحزر وأخر يرتفع صوته باللعن والسباب وأخر يملأ صوته الرعب والفزع, فبدأ صاحبنا يزداد قلقا وتتوتر أعصابه وينادي هذا وذاك ليسأل ماذا حدث أو ينقذه بأية مواصلة تحركه من هذا المكان الذي أصابته اللعنة, ويستجيب أخيرا أحد المهرولين وينصح صاحبنا في ركوب أي شيء والرحيل من هذا المكان لأن مظاهرة كبيرة غير سلمية في الطريق إلى هذا الميدان ويمكن حدوث ما لا يحمد عقباه, وسأل صاحبنا أين المفر وما هي تلك المواصلة والجميع يجري ولا يبالي بأحد, وأثناء الحوار الملتهب بالعجلة والخوف والترقب مرت عربة يقال عنها أها الكارو التي يجرها حصان لم يبالي بما يحدث وقد عبر فوق الرصيف وأخذ يعبر كل الحواجز حتى وصل إلى مكاننا ومستمر في السير حيث يشاء, ودون أن يأخذ هذا المار رأي صاحبنا ولا يستأزنه هرول إلى سائق الكارو واستعطفه بأن يأخذه في طريقه حتى يبتعد عن هذا المكان, وبالفعل لم يتردد صاحبنا في الركوب بعد موافقة السائق الذي بشره بأن طريقهما واحد حتى النهاية, وتسلق صاحبنا على العربة وكأنه اعتاد الركوب عليها وبدأ يشعر ببعض الراحة وأخذ يفتح حوارا مع السائق ليسلي نفسه ويخرج ما أصابه من خوف وتوتر, وحكى السائق تقريبا قصة حياته أثناء الطريق حتى وصل صاحبنا إلى المكان الذي اعتاد النزول فيه عندما كان يركب سيارات يرتادها بني جنسه حيث اكتشف بأن هناك من يصاحبه ويستمع لحوارهما ولا يبالي وكأن شيء لا يعنيه بالكارو كان يركب بها أحد الأحصنة أراد سائق الكارو بيعه في السوق ولم يستطع ذلك فعاد خائبا لظروف الثورة المجيدة.