أكتوبر 17, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

عجب وقلق وحيرة.. بقلم عبدالرحيم حشمت عسيري المحامي

من المعروف في لغة الاقتصاد المجردة من الأهواء الشخصية …. والخالية من المآرب السياسية أن اقتصاد الدول لا يقاس بحجم الديون … وإنما يقاس بحجم الموارد ، والدخول .. ولذلك لا تعبر الديون بصفة عامة عن مدى قوة أو ضعف الوضع الاقتصادي للدولة المدينة –أية دولة مدينة– بدون معرفة حجم ايراداتها واجمالي دخولها ، ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها …. وفوق هذا كله وقبله وبعده ضرورة معرفة مدى استتباب وضعها الأمني .. ومدى تماسكها الداخلي .. ومدى استقرارها السياسي .
إذن الديون لا تصلح معيارا لتقييم اقتصاد الدولة …… كما يروج الجهلة والعملاء والخونة وإلا كان الاقتصاد المصري أفضل من الاقتصاد الأمريكي، من منظور هذا المنطق المغلوط .. نظرا لأن أمريكا أكثر دولة مدينة في العالم كله شرقه وغربه حيث بلغت ديونها الخارجية سنة 2022 م حوالي 31 تريليون دولار أي ما يعادل 200 ضعف ديون مصر التي تأتي في المرتبة رقم 59 بين الدول المدينة في العالم .. والمعرضة الآن –أي أمريكا– للعجز عن سداد ديونها .. كما صرحت بذلك وزيرة خزانتها منذ عدة أيام والذي سيؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي …. غير أن بعض الخبراء ذهبوا إلى استبعاد هذه الفرضية واعتبروها حلقة جديدة من حلقات المؤامرة الأمريكية ….. التي بدأت بتبني البنك الفيدرالي الأمريكي سياسة رفع سعر الفائدة منذ بداية الأزمة بهدف محاربة التضخم مما أدى إلى زيادة الضغوط على الاقتصاديات الناشئة ومن بينها الاقتصاد المصري والتي تجسدت في هروب الأموال الساخنة من خزائن البنك المركزي المصري …. إلى أحضان البنك الفيدرالي الأمريكي حيث الفائدة المرتفعة .
وقبل أن نتكلم عن مشكلة ديون مصر ……… ومدى خطورتها على حاضر الدولة ومستقبلها والحل الأفضل لمواجهتها .. من المهم بمكان أن نعلم أولا أن ديون مصر ارتفعت خلال العشر سنوات الأخيرة من 50 مليار دولار سنة 2013 م إلى 155 مليار دولار 2023 م ….. ومن جملة الأسئلة المشروعة لكل مواطن مصري والتي تفرض نفسها هنا بقوة لماذا استدانت مصر 100 مليار دولار في العشر سنوات الأخيرة وأين ذهبت هذه الأموال الطائلة ؟ .
والاجابة هنا لا تحتاج إلى كتابة ذلك لأن قائمة الانجازات طويلة ولا تسعها هذه المقالة ، بل يكفي أن ننظر بعين منصفة إلى شواهد المشاريع العملاقة التي تمت في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي …. من تعمير وبناء وتطوير ….. غطت الخريطة الجغرافية بأكملها بلا مبالغة .. وأنفقت عليها الدولة حوالي 400 مليار دولار حتى الآن ومع ذلك لم يشعر بها أبناء الشعب المصري ، والسبب بمنتهى البساطة لأن معظم هذه الانجازات ذات عوائد بعيدة المدى …. وحتما ستجني ثمراتها الأجيال القادمة وهذا يتطلب من الأجيال الحالية التضحية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى .
حيث ركزت الدولة في استثماراتها على البنية التحتية وتطوير الانتاج الصناعي والزراعي وتحسين المناخ الاستثماري .. وتتويجا لهذه الجهود حصلت مصر حسب جميع التصنيفات الدولية على الترتيب الأول ، في جذب الاستثمار الأجنبي على مستوى افريقيا والشرق الاوسط كما منحتها منظمة الأمم المتحدة أفضل جائزة في هذا المجال عن سنة 2022 م …….. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن هذه الجائزة الكبرى تكتسب أهمية خاصة نظرا لأنها صادرة من منظمة دولية محايدة لا تزكي اقتصادا ضعيفا أو مهددا بالانهيار وهذا معناه أن مصر قادرة على تلبيها متطلباتها الداخلية … والوفاء بالتزاماتها الخارجية رغم الأزمة العالمية وتداعياتها الاقتصادية نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية ، إذن مصر فعلا تسير على الطريق الصحيح …….. وهو ما يفسر بالتبعية الحرب النفسية والاقتصادية الممنهجة التي تتعرض لها في الداخل والخارج في المرحلة الحالية .
وإذا كانت المصلحة الوطنية المجردة ……. هي المعيار الوحيد لتقييم العلاقات البينية بين الدول كافة مهما كانت روابطها التاريخية ، ومهما تعددت قواسمها المشتركة ………. إذن لماذا لا نبحث عن مصلحتنا الوطنية في الدوائر الأبعد من محيطنا التقليدي الذي لا يهمه إلا صمودنا ولا يخشى إلا من نهوضنا ؟ والسؤال الأكثر أهمية .. هل مصر قادرة على اجتياز هذه الأزمة بالاعتماد على نفسها ؟ .. الاجابة بكل ثقة نعم مصر قادرة على اجتياز هذه الأزمة، كما اجتازت غيرها من الأزمات السابقة .. وذلك ايمانا بما تتخذه من اجراءات وما تنتهجه من سياسات وما يرصده أي مواطن مصري من مؤشرات .
لعل من ابرز هذه المؤشرات اعلان البنك المركزي الروسي قراره التاريخي ادراج الجنيه المصري في قائمة عملاته الأجنبية القابلة للتداول مقابل الروبل الروسي اعتبارا من 18 يناير 2023 م … وما ستحققه مصر نتيجة لذلك من مردود قومي كبير من حصيلة التعامل التجاري مع روسيا الذي يصل حجمه إلى 6 مليار دولار سنويا، وهذا معناه أن الحرب العالمية على العملة الأمريكية بدأت من الأراضي الروسية بمشاركة مصرية .
والأكثر تأثيرا مما سبق .. أن الصين قاب قوسين أو أدنى من السير على خطى روسيا .. حيث تدرس حاليا اعتماد الجنيه المصري بديلا عن الدولار في تعاملاتها التجارية مع مصر مقابل اليوان الصيني ، وهي ضربة موجعة للدولار الأمريكي حيث يصل حجم التبادل التجاري بين مصر ، والصين إلى 20 مليار دولار سنويا …… أما بقية دول مجموعة البريكس الاقتصادية التي ستنضم لها مصر ان شاء الله عما قريب …. وهي كل من الهند والبرازيل وجنوب افريقيا فهي سائرة في نفس الطريق لا محالة، ويضاف إلى جملة المؤشرات السابقة سياسة الاستثمار الجديدة التي تنتهجها الحكومة لجذب وتوطين المصانع الأوروبية على الأراضي المصرية …. بعدما أغلقت أبوابها بسبب الحرب الروسية الأوكرانية .. وهذا يعني أن مصر تعد الملاذ الآمن الوحيد للصناعة الأوروبية .
ويضاف إلى ما تقدم أيضا الاتفاقيات الدولية والصفقات التبادلية التي أبرمتها مصر مؤخرا وجعلت منها مركزا اقتصاديا مهما للدول الأوروبية والآسيوية .. منها على سبيل المثال لا الحصر .. مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا والذي سيعود علينا بحوالي 3 مليار دولار سنويا في إطار الشراكة المتنامية بين مصر وإيطاليا في كل المجالات وكذلك أيضا صفقة التبادل التجاري بنظام المقايضة مع الهند (مقايضة القمح الهندي بالغاز المصري) والتي فتحت أمامنا آفاقا جديدة وأعادت إلى أذهاننا عبق العلاقات المصرية الهندية القديمة .
لذلك نستطيع القول بلا أدنى مبالغة ………… أن سياسة البلطجة على الاقتصاد العالمي ولت دون رجعة .. والتي مارستها أمريكا بمنتهى الصلف والبجاحة منذ اربعينيات القرن الماضي ……. وهي مسلحة بقوة الدولار باعتباره عملة الاحتياط العالمي بغطاء ذهبي بموجب اتفاقية بريتون ………. واستمر الأمر كذلك إلى أن أعلن نيكسون فك الارتباط بينهما في السبعينيات …….. ومنذ ذلك الوقت أصبح الدولار عملة ورقية بدون غطاء ذهبي …….. وفي النهاية اقتصرت النصباية على ماكينة أمريكية تطبع ، ودول مضطرة تدفع ………… في أكبر عملية نصب علني تعرض لها الاقتصاد العالمي .
أما إذا أردنا أن نرى نتيجة ملموسة على الأرض …. للجهود المبذولة لاجتياز هذه الأزمة ……….. فيكفي أن نعلم أن الايرادات المصرية من العملة الحرة في زيادة مطردة حيث بلغت حوالي 130 مليار دولار في سنة 2022 م ….. وهي عبارة عن 50 مليار ايراداتنا من صادرات الغاز ، و 8 مليار حصيلة قناة السويس و 32 من تحويلات المصريين العاملين في الخارج …….. و 28 استثمارات اجنبية و 12 من مردود قطاع السياحة ….. ومن المتوقع زيادة هذه الحصيلة خصوصا بعد بشائر الخير التي هلت علينا مع بداية 2023 م … مثل اكتشافات حقول الغاز الجديدة وارتفاع معدل انتاج منجم السكري من الذهب بنسبة 6% عن العام الماضي …… لكن الحقيقة المرة أن هذه الايرادات متواضعة جدا …… ولا تتناسب مع مواردنا الضخمة حيث تمتلك بلادنا ثروات هائلة .. وموارد متنوعة لكنها –والحق يقال– لم تستغل الاستغلال الأمثل حتى هذه اللحظة .
ولم تنس الدولة مراعاة البعد الاجتماعي .. ضمن جهودها المبذولة لاجتياز هذه الأزمة الطاحنة حيث قامت خلال الأيام القليلة الفائتة بطرح مليون شقة تمليك كاملة التشطيب استلام فوري بقسط شهري 500 جنيه وبدون مقدم واستمرارا لجهود الدولة في محاربة الغلاء .. من أجل تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين البسطاء … فتحت معارض أهلا رمضان أبوابها على مصراعيها مبكرا في جميع المحافظات لعرض السلع الأساسية والمواد الغذائية بخصومات تصل إلى 50 % على جميع السلع والمنتجات .
وقبل الختام لا يفوتني أن أبدي ما ينتابني من عجب وقلق وحيرة في أمر هذه الحكومة التي رفعت الدعم بمنتهى السهولة !!! عن السلع الغذائية والخدمات الرئيسية التي لا يمكن للفقراء والمعدمين العيش على قيد الحياة بدونها، ولم تبادر بوضع سياسة تقشفية على الوزارات والهيئات العامة والدوائر الحكومية فمازالت مواكب الوزراء المستفزة كما عهدناها من قبل بل ربما زادت عن حدها ولم نسمع يوما أن أحد الوزراء ، أو أحد أعضاء مجلس النواب تنازل عن راتبه أو تبرع لخزينة الدولة بجزء ولو يسير من مكافآته أو امتيازاته أو مخصصاته وهي كثيرة .. أيها السادة المسئولين إعلموا أن ألف باء الأمانة والعدالة والمصداقية، أن يكون الراعي قدوة حسنة ومثل أعلى للرعية .
وختاما أقول لكل مواطن مصري منتمي لتراب وطنه ، ومحب لجيش بلاده في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الدولة …… يتعين علينا جميعا أن نقف صفا واحدا خلف الرئيس عبدالفتاح السيسي ….. مادام يعمر ، ويبني ، ويطور ، ويكافح الفساد …….. ويحارب الإرهاب …… ويحمي البلاد من الاطماع الاقليمية والمؤامرات الدولية … وعلينا أن نكون أكثر تفاؤلا بأن القادم أفضل مهما كانت معطيات الحاضر مغايرة وأن نتحلى بالصبر ونعمل في صمت وألا ننساق وراء الأخبار المضللة والدعوات الهدامة ، والشائعات المغرضة .. التي تروجها حفنة قليلة من الجهلة والعملاء والخونة أصحاب الأجندات المشبوهة .
عرض الرؤى
معدل وصول المنشور: ١
أعجبني

تعليق
إرسال