أبريل 21, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

هبة الكيلاني.. “سفيرة الرحمة في الجنوب” تكتب حكاية من نور

بقلم: محمد حسن

هبة الكيلاني. اسم حين يُذكر، يتهامس الطيبون بالثناء، وتبتسم الوجوه التي لمست دفء عطائها. ليست وزيرة، ولا تظهر في مؤتمرات كبرى، لكنها امرأة من طراز نادر، اختارت أن تكون سفيرةً للرحمة في زمن شحّت فيه القلوب الكبيرة، وتراجعت فيه القيم خلف ستار السرعة والمصالح.

من قلب محافظة أسوان، ومن بين الناس البسطاء الذين تعرفهم بالاسم وتعرف أوضاعهم بالحقيقة، خرجت هبة الكيلاني، ذات الـ44 عامًا، لتكون نموذجًا حيًا للمرأة التي تحمل وطنًا صغيرًا بداخلها. وطنًا فيه أمٌ لا تجد قوت أولادها، ومريض ينتظر علاجًا، وطفلٌ يحلم بمقعد في حضانة تليق ببراءته.

تشغل هبة منصب المدير التنفيذي لجمعية “المنار”، لكن ما تفعله يتجاوز حدود أي لقب. فهي لا تدير مؤسسة فحسب، بل تُدير منظومة حياة، تنسج خيوطها كل يوم بجهد وصبر وإيمان. البداية كانت بإحساس بسيط أن الخير لا يحتاج إذنًا، فقط يحتاج من يبدأ، وكانت هي هذا “البدء”.

أسّست حضانة “رحيق الجنة” تحت مظلة جمعية أبناء سوهاج، لتمنح عشرات الأطفال فرصة للتعليم والنمو في بيئة كريمة. وأسّست مطبخ “الأمل الخيري” الذي تحوّل إلى ملاذ يومي لعشرات الأسر في حاجة لوجبة تحفظ لهم كرامتهم وسط قسوة الواقع. كما قادت مبادرات لعلاج المرضى غير القادرين، وتوصيل المياه للمنازل المحرومة، وتوزيع الغذاء والكساء في كل مناسبة أو دون مناسبة.

لكن جمال حكاية هبة الكيلاني لا يكمن في حجم الأعمال فقط، بل في روحها وهي تؤديها. فهي لا تطلب مقابلًا، ولا تضع لنفسها لافتة، بل تعمل بصمت وكأنها تُخاطب السماء لا الأرض. وفي كل مرة كانت تواجه فيها نقصًا في الموارد أو همسًا من المثبطين، كانت تبتسم وتقول بثقة: “ربنا هو اللي بيبعَت… وأنا مجرد سبب”.

واجهت الانتقادات بابتسامة، وتخطت العقبات بإيمان، وأثبتت أن من يعمل من قلبه لا يُهزم. قدرتها الفريدة على الاستماع للناس، وعلى تحويل الضعف إلى طاقة، والحاجة إلى مشروع، جعلتها أقرب إلى “قائدة مجتمعية” من كونها مجرد فاعلة خير.

وفي لحظات التقدير، لم تنسَ شركاء الرحلة. فقد وجّهت تحية خاصة للحاج محمود سيد، رئيس مجلس إدارة جمعية المنار، واصفةً إياه بأنه السند الذي دعمها في كل مرحلة، وشاركها البناء، وصدق النية.

هبة الكيلاني ليست حالة فردية، بل درس متكامل في القيادة الحقيقية، تلك التي لا تُقاس بالمناصب بل بالأثر. هي وجه الجنوب الحقيقي، النابض بالكرم، والعزة، والقدرة على التغيير رغم ندرة الإمكانيات.

في النهاية، لا نكتب عن هبة الكيلاني لنمجّد شخصًا، بل لنضع أمام المجتمع مرآة نقيّة تقول: “الخير ما زال حيًا، والإنسانية لا تزال بخير، ما دام بيننا من يشبهها”.
هي ليست فقط سفيرة للرحمة… بل دليل على أن الصمت أحيانًا، أبلغ من كل الكلمات.