أبريل 21, 2024

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الأدب الساخر “ضريبة اللباقة”

 
بقلم د. طارق رضوان 
ربما كان شاعر المهجر الكبير إيليا أبو ماضي، المتوفى قبل أكثر من نصف قرن، يجادل عصرنا الحالي الذي تحاصره الكآبة أينما ولى..! فهو القائل:
قال السماء كئيبة! وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما!
الأدب الساخر كوميديا لاذعة تضحك وتبكي. وينتشر النكات كمتنفس ووسيله لرفض الاستسلام لمفارقات تلك الحياه. أو كما قال المتنبى .. “ولكنه ضحك كالبكاء”. ظهر الأسلوب الساخر في الفن لأول مرة عند الرومان واشتمل نوعين:
سخرية هوراتيان: وسمي هذا الاسم نسبة إلى الروماني هوراس الذي كانت تتميز سخريته بالبراعة حيث كان ينتقد بشكل عام الطبيعة البشرية وحماقات الإنسان.
سخرية جوفيناليان: وسمي هذا الاسم نسبة إلى الروماني جوفينال الذي كان يتميز أسلوبه الساخر بالحدة والسخط والغضب من رذائل البشرية.
الأدب الساخر جزء من كيان الأدب بشكل عام،فالأدب مرآة المجتمع، يعكس ثقافته ووعي أفراده، ويرتبط الأدب بقيم المجتمع وثقافته، سواء في مضمونه أو رسالته، كما أن الأمور تختلف من دولة لأخرى، ففي بعض الدول فإن القيم الدينية والأعراف هي التي تحكم، وليس القيم الاجتماعية، وهنا ندخل في مسألة الثوابت، أما في دول أخرى، فيستطيع الأدباء السخرية من بعض الثوابت، وهذا يعود إلى ثقافة المجتمع نفسه. إن السخرية من أي عيب اجتماعي هي عملية تطهير للمجتمع من هذا العيب وهي عملية شعرية بامتياز.
هل يرتبط الأدب الساخر بالتجريح والإساءة؟: حين يلامس الأدب الساخر القيم يتحول إلى تجريح..لذا على الكاتب أن يعيش في المجتمع ويتعرف على ثقافاته وقيمه قبل أن يوجه قلمه الساخر نحو أي من تفاصيله. الأدب الساخر كالمسرحية، له جمهور أكثر من الدراما، وبالقياس والمقارنة مع المسلسلات، نجده كالأعمال الكوميدية التي تحصد نسبة مشاهدين أعلى من غيرها في كل عام. فهو يتجنب الإساءة إلى الآخرين وخصوصاً ما يتعلق بالأصل أو اللون أو الشكل، ولكنه يتناول التصرفات والسلبيات التي يصنعونها بأيديهم وإرادتهم، وهذا هو الهدف من الأدب الساخر، انتقاد السلبيات وطرح المشكلات بطريقة واعية وخفيفة الظل.
أن تكتب مقالا أو كتابا ساخرا، كأن تمسك في يدك مشرطا، تدغدغ به من أمامك، فتتباين انفعالاته وأحاسيسه، وكأن تنثر الملح على الجرح بينما تبتسم شفتاك.. وكأن تقدم مشهدا كوميديا يختزل وراء كواليسه جرعات من الألم، هذا هو الأدب الساخر: قلم يجسد حالة رفض لسلبيات تنهش في جسد المجتمع أو أي زوايا أخرى، ولكنه يضخ النكتة في عروقك، لتجد نفسك تضحك وتبكي في الوقت ذاته.
وسائل الكتابة الساخرة: تتعدد وسائل الهجاء الذي يستخدمها المؤلف لنقد شيء ما: بعض الكتاب يستخدمون المقارنة المبالغ فيها لتضخيم الأمور والمبالغة في عرض الحقائق. والبعض يستخدم السخرية من خلال ذكر العبارات المعاكسة للمعني؛ فمن الممكن أن يقول كلمات ثناء وهو قاصد بها الذم، والعكس صحيح بحيث يقول كلمات الذم قاصدا بها الثناء.
سخرية سقراط: وهي التظاهر بتجاهل أمر ما لكي يتم فضح جهل شخص أخر.
وهمية المديح: وفيها يتم استخدام الثناء والمديح بغرض اللوم والإدانة.
التنكر: ويتم من خلال تقديم الهجاء داخل موضوع جاد أو تافه.
الاستهانة: من خلال تقديم شيئا ما بصورة أصغر أو أقل أهمية مما هو عليه في الحقيقة.
الهجاء، من خلال استخدام أسلوب السخرية الحادة، والتهكم والازدراء
لا أري أن الأدب الساخر فى طريقه الى الاختفاء وربما يكون هذا الرأي هو رأي بعض أصحاب دور النشر والتي تقيس نجاح ورواج الكتب بمقاييس تختلف عن مقاييس ازدهار الأنواع والالوان المختلفة للأدب ولا أري أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت بالسلب علي الادب الساخر ، فتلك الوسائل قد ساعدت في الانتشار السريع “للمادة الساخره” في صور متعددة أغلبها “كوميكس” وهنا لا يجب ان نقول ان ذلك النوع او اللون من الماده الساخره قد يطلق عليه “أدب” ولكن بعضاً منه قد يدخل تحت نطاق الادب الساخر ! هناك من يشير إلى وسائل التعبير بالصوت والصورة، ومنافستها للتعبير المكتوب. وهذا صحيح تماما في أي لون من ألوان الأدب. انظر مثلا الأعداد الهائلة لمشاهدات لقطات الـ(يوتيوب) الساخرة. لا شك في أن لهذا تأثيرا على القراءة، ومنها قراءة الأدب الضاحك
نصائح هامة لكتابة مقالة ساخرة ناجحة: يجب أن يحافظ الأدب الساخر على رقيه، وأن لا يكون هدفه إضحاك الناس في المقام الأول، بل يكون تناول قضية معينة هادفة. والأدب الساخر يتسم بالصعوبة في كتابته، إضافة إلى أن تبعاته ليست سهلة أيضاً، تماماً كأدب الطفل، الذي يعتقد كثيرون أنه سهل، ولكنه أصعب بكثير من غيره.
تأكد من أن تكون لغتك قوية ومليئة بالسخرية وغنية بتنوع الألفاظ الهجائية. ومما يساعدنا في هذا الأمر غنى لغتنا العربية بألفاظ عديدة جدا ومتنوعة وتعطي نفس المعنى بدرجات متفاوتة.
يفضل استخدام أسماء خيالية أو مستعارة بدلا من الأسماء الحقيقية الخاصة بالموضوع لأن هذا سيزيد من الإثارة والتشويق. حاول أن تتظاهر بالجدية. عليك أن تبالغ بالنتائج الغير حقيقية، من خلال توقعاتك المبالغ فيها للمزيد من السخرية .قم بتقديم النصائح المثيرة للسخرية، من خلال النصح بما هو معاكس عن المفترض فعله. لا تقم بشرح الطرائف وسخريتك لأن هذا يؤدي إلى فقدان قيمتها وهدفها .
مشكلة الأدب الساخر تكمن في حاجته الماسة إلى مصدر إلهام، لخلق الفكرة.. وكلما زادت الحرية زادت مساحة الإبداع في الأدب الساخر، فالسياسة هي الساحة الأكثر ثراء في ما يتعلق بالأدب الساخر. لأن الساحة السياسية تفاجئنا يومياً بمواقف يمكن الاستفادة منها وتطويعها في مجال الأدب الساخر.
يختلف تقبل الأدب الساخر وطبيعة تناوله، من بلد إلى آخر. ففي حين يضحك البعض على جوانب معينة، يجد آخرون أنها لا تحتمل الضحك. ومن المؤكد أنه لا يوجد فاصل واضح بين القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتشابك بعضها مع بعض. واختفاء الأدب الساخر من المشهد الثقافي، سببه قلة من يكتبونه من الشعراء والروائيين والقصاصين، ولأنه يحتاج إلى موهبة وأدوات تعبيرية عالية. ويبدو أن لكل زمان (أبطاله) ممن حملوا على عاتقهم إصلاح الكون، وإنقاذ العالم من أزماته، وإقالته من عثراته ببضع تهويمات لفظية تساهم في اتساع ثقب الأوزون الأدبي.

واعترض أحد القراء على كتابات (حسن السبع) الهازلة بأن «البال مشغول». فيقول (السبع): يبدو لي أن بال القارئ مشغول، لأن سفينة الحياة في العالم العربي على وشك الغرق، وأنه لا قدرة له على الضحك. وكأن التجهم هو الذي سينقذ السفينة من الغرق. وأوشك بعضهم أن ينظر إلى هذا اللون الأدبي كأنه «مؤامرة» من تدبير الأعداء. قلت للقارئ صاحب «البال المشغول» الذي يستكثر علينا الابتسامة في هذا العصر الضاج بالبكاء: لن يتوقف النشيد لو نقصت الجوقة عازفا واحدا، ولن يضار الفضاء الفسيح لو نأى طائر واحد عن السرب، ولن يتوقف سيل الدموع لو غاب عن المأتم بكاء واحد.
إن كتابة أدب المقاومة لا تعني أن يمتلئ الأدب بالسلاح والشعارات والخطب.” غسان كنفاني .

هي كتابات ساخرة ناقدة كتبها الأديب الكبير غسان كنفاني تحت اسم مستعار هو فارس فارس ونشرها في ملحق الأنوار ومجلة الصياد وجريدة المحرر و بهذا الاسم المستعار أخذ الأديب الفلسطيني غسان كنفاني يكتب مقالاته الساخرة لكي يخرج عن النهج الذي اعتاده وينطلق بحرية أكثر مبتعداً عن ضغط العمل، نُشرت هذه المقالات في عدة صحف ومجلات عربية منها :الأنوار و الصياد.
تحدث كنفاني في مقالاته هذه عن الكتب و الكُتاب و انتقدهم بطريقة لاذعة وعميقة، غسان الذي سخر قلمه ليدافع عن قضيته ومعاناة شعبه سخره أيضا في مقالاته للدفاع عن الأدب ضد الانحلال و الضياع ، تلك المقالات الأسبوعية كانت طرازا فريدا في النقد الأدبي العربي.
في عام 1998، صدر للشاعر السعودي ناجي الحرز ديوان «رقصات ضاحكة»، وحملت مقدمته تقديما للناقد عادل اليوسف ذكر فيها أن قصائد هذا الديوان يجب أن تقرأ مرتين: واحدة للضحك وأخرى للبكاء، لما احتوت من تلميحات لبعض القضايا وهموم الناس بطريقة السهل الممتنع.
وصف كتاب على باب الله – كتاب ساخر وناقد: هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات للكاتب المشهور محمود السعدني، والتي تم نشرها في الصحف، وأغلبها عن أحوال مصر وشعبها، ويجد القارئ أن كثيرًا من المقالات تناقش مشكلات مازالت موجودة إلى وقتنا الحالي، مثل مشكلة التلاعب بالقمح من وزير التموين، وسلبية أعضاء مجلس الشعب، وعدم صعود مصر لكأس العالم، وغياب الميداليات الأوليمبية والتمثيل المخيب للآمال، وكذلك هناك عدد من المقالات السياسية التي توضح رأيه في حسني مبارك، وبعض الأعمال التي قام بها، وأيضًا أوضحت بعض المقالات حديثه ورأيه في كمال الشاذلى وأبو العينين، وغيرهم، وكذلك حديثه عن بعض الوزراء المصريين، فالكتاب يجمع مقالات سياسية واجتماعية وفكرية ورياضية، وغيرهم.
صفات الكاتب الساخر: يجب أن يكون الكاتب قادرًا علي قلب التناقض والمفارقات الى شيء مضحك وساخر يمتزج بقليل من المراره وربما الحسره.
وهناك أيضاً مثال غريب فالكاتب الروسي “ميخائيل زوشينكو” كان مصابا بالاكتئاب حين كتب مجموعته القصصية الساخرة والتي لاقت نجاحاً ساحقاً لم يكن يتوقعه وجعلت القارئ يضج بالضحك مما كتبه !وهنا يكمن سحر الادب الساخر في القدره علي خلق الضحك وإيجاده بل وانتزاعه من مراره الواقع ومتناقضات الحياه !
في أوائل عام 1922، صدرت المجموعة القصصية الأولى لميخائيل زوشينكو، فضج الناس بالضحك، وضج قبلهم المنضدون وهم يجمعون أحرف القصص لكاتب ناشئ. وفي عام 1928، كتب تيكولاي إردمان مسرحية «المنتحر»، المغرقة في سخريتها من وضع الإنسان في مجتمعات الاتحاد السوفياتي، التي قادها البلاشفة الذين أسقطوا سلطة القيصر بطرس وعائلته (دمويا) في عام 1917. فلم تنشر المسرحية في كتاب، ولم يسمح بعرضها آنذاك، لأن ستالين لم يرضَ عنها.
نفدت المجموعة القصصية الأولى لزوشينكو من السوق خلال عدة أيام، ثم أخذت دور النشر والمجلات تتسابق على نشر قصص هذا الكاتب الشاب، المولود عام 1894. ولن يعد الأمر غريباً إن نجحت المجموعة القصصية هذه في الأوقات العادية، لكن قصص هذا الكاتب الروسي ظهرت في سنوات تلت الثورة البلشفية التي أسقطت القيصر بطرس وعائلته (دمويا)، لتروي في شكل ساخر شكل الحياة في تلك الفترة، من خلال حكايات الروس الذين وجدوا أنفسهم فجأة محكومين بشعارات كثيرة فرضها من قاموا بالثورة البلشفية التي تحدثت عن تحريرهم من حكم القيصر، لكنها في الحقيقة حولتهم إلى نماذج بشرية مثيرة للشفقة. وما كان يحتاجه هؤلاء أن تروى مصائرهم الصادمة على لسان حكواتي ساخر، فهذا أفضل أشكال المقاومة المتاحة آنذاك.
قام نيكولاي إردمان بتأليف عدد من المحاكمات الساخرة التي تتسم بالحدة والمبالغة في التشخيص. واعتبر النقاد أعماله الدرامية حلقة وصل في تاريخ المسرح الروسي بين الدراما الساخرة التي أبدعها كاتب روسيا الكبير نيكولاي غوغول ومسرح ما بعد الحرب العالمية الثانية. تحكي مسرحية «المنتحر» بسخرية لاذعة رغبة مواطن في الاتحاد السوفياتي بالانتحار، لأنه لا يعمل، ويعتمد على زوجته وأمها في الإنفاق عليه وعلى البيت، لذا يواجه الإهانة عندما يرغب في بعض النقانق ليلاً بسبب الجوع، فتعنفه زوجته التي لا يقدر تعبها وتضحيتها. يفضح النص المسرحي حالات الانتهازية بأنواعها: حزبية، ودينية، واجتماعية التي استغلت عزم «مواطن» على الانتحار نظراً لظروفه المعيشية الصعبة. فبرزت جهات كثيرة مستفيدة من الموقف المأساوي، مطالبة إياه بأن يكتب بياناً يبين فيه سببه انتحاره، لتستثمر الموقف لصالحها، أو ضد جهة أخرى
وللأدب الساخر فرسانه مثل:
شيخ الساخرين: جورج برنارد شو، كاتب مسرحي أيرلندي، حاز على جائزة “الأوسكار” في الآداب، ويعد من الملحدين المتسامحين مع الأديان الأخرى، وكان برنارد شو نصيرًا للفقراء، خاصًة وأنه عاش فقيرًا، ويذكر أن “شو” رفض زيارة الولايات المتحدة، حتى لا يرى تمثال الحرية، في بلد يُهان فيه الإنسان.
الولد الشقي: محمود السعدني أو “العبد لله”، كاتب مصري، ورائد من رواد الكتابة الساخرة في الوطن العربي، سجن في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتم نفيه بعد اتهامه في الاشتراك بمحاولة قلب نظام الحكم، وعاد مرة أخرى إلى مصر في عهد “مبارك، وتُوفي عام 2010.
عميد الكتاب الساخرين: أحمد رجب، كاتب مصري، من أشهر الكتاب الساخرين في العالم العربي، كانت له مقالاته اليومية تحت عنوان “نص كلمة”، وكانت عبارة عن رسالة ساخرة مختصرة، تعبر عن وجهة نظر، أو رأي في موقف معين، وكانت من أهم شخصياته الكاريكاتيرية “فلاح كفر هنادوه”، “مطرب الأخبار”، “عبده مشتاق”، “كعبورة”.
لوريو الألماني: لوريو كاتب ألماني، ويعد من أشهر الساخرين في ألمانيا، حيث اعتمد على الكوميديا القائمة على سوء التفاهم، وانتقد بصورة كوميدية ساخرة صفات الشعب الألماني، مثل الدقة والجمود، والموضوعية.
السخرية الراقية: أحمد بهجت، كاتب مصري، يقول عنه الكاتب علاء الأسواني إنه “صاحب القلم الذي يجمع بين الفن القصصي، والعمود الصحفي، والسخرية الراقية، والتدين الصحيح”، ومن مؤلفاته مذكرات زوج، مذكرات صائم، واعتاد على كتابة عمود صحفي تحت عنوان “صندوق الدنيا”.
إمام الساخرين: اعتمدت كتابات جلال عامر على رسم “البسمة الباكية”، على الوجوه، وكان لـ”عامر” مدرسته الخاصة، حيث اعتمد على التورية، وسرد الأفكار العديدة بصورة متماسكة، ومن أشهر مؤلفاته مصر على كف عفريت.
زوايا: جعفر عباس، كاتب سوداني، غلبت علي كتاباته الطابع الساخر، ويعد الكاتب العربي الأول الذي ضمته النسخة الإنجليزية من “ويكيبيديا” إلى قائمة الكتاب الساخرين في العالم، وتتخذ مقالاته الساخرة عناوين متعددة منها زاوية معكوسة، زاوية حادة، زاوية منفرجة، غامقة.
أبو الأدب الإنجليزي: صامويل لانغهورن كليمنكس، والمعروف بـــ “مارك توين”، وصفه البعض بأنه أعظم الساخرين الأميريكيين في الفترة من 1835 وحتي 1910، اعتاد على كتابة مقالاته الساخرة في جريدة “هانيبال”، ولقبه الوليان فوكنر بأبي الأدب الإنجليزي، حيث قدم من خلال كتاباته ما يسمي بأدب الخيال العلمي.