أبريل 16, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

أردوغان وإضطرابات الشخصية النرجسية

دكتور/محمد جابون
الشخص الذى يعانى من إضطرابات الشخصية النرجسية هو شخص يتوقع إعجابًا دائمًا ، ويعتقد أنه أفضل من أي شخص آخر ، كما يبتعد دائما عن أدنى نقد.
ما هو إضطرابات الشخصية النرجسية:
يتم إلقاء كلمة النرجسية كثيرًا في ثقافتنا على الشخصية المهووسة بالذات ، والتى تتطلع لتكون من المشاهير ، و غالبًا تستخدم لوصف شخص يبدو بلا جدوى و فى نفس الوقت ممتلئًا بنفسه. ولكن من الناحية النفسية ، لا تعني النرجسية حب الذات , على الأقل ليس من هذه الجهة تحديدا. من الأدق أن نقول أن الأشخاص الذين يعانون من إضطرابات الشخصية النرجسية يعشقون صورة مثالية وعظيمة عن أنفسهم. إنهم يعشقون هذه الصورة الذاتية المتضخمة على وجه التحديد لأنها تتيح لهم تجنب المشاعر العميقة بعدم الأمان وإنعدام الثقة بالنفس والشعور بالدونية. لكن دعم أوهام العظمة يتطلب الكثير من العمل , وهنا تأتي المواقف والسلوكيات المختلة.
تتضمن إضطرابات الشخصية النرجسية نمطًا من التفكير والسلوك المتعجرفين المتمركزين حول الذات ، وقلة التعاطف وعدم أخذ مشاعر الأخرين فى الإعتبار ، والحاجة المفرطة لإعجاب الأخرين بها. وغالبًا ما يصف الآخرون الأشخاص الذين يعانون من إضطرابات الشخصية النرجسية بأنهم مغرورون ومغفلون وأنانيون ومدعون ودائمى الطلبات من الأخرين. طريقة التفكير والتصرف هذه تكون في كل مجال من مجالات حياة النرجسيين: من العمل والصداقات إلى العلاقات العائلية والحب وحتى السياسة.
الأشخاص الذين يعانون من إضطرابات الشخصية النرجسية يقاومون بشدة تغيير سلوكهم ، حتى عندما يسبب لهم مشاكل. ميلهم دائما هو إلقاء اللوم على الآخرين. والأكثر من ذلك ، هذه الأشخاص حساسة للغاية وتتفاعل بشكل سيء حتى مع أدنى الإنتقادات أو الخلافات أو الأفعال التي تعتبرها دائما هجمات شخصية. بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في حياة النرجسي ، غالبًا ما يضطرون إلى التوافق مع مطالبهم لتجنب البرودة فى التعامل أوالغضب.
علامات وأعراض إضطراب الشخصية النرجسية:
الشعور بالعظمة و أهمية الذات:
العظمة هي السمة المميزة للنرجسية. أكثر من مجرد الغطرسة أو الغرور ، العظمة هي شعور غير واقعي بالتفوق. يعتقد النرجسيون أنهم فريدون أو “مميزون” ولا يمكن فهمهم إلا من قبل أشخاص مميزون مثلهم. والأكثر من ذلك ، إنهم يريدون دائما أن يرتبطوا بالأشخاص والأماكن والأشياء ذات المكانة العالية فقط.
يعتقد النرجسيون أنهم أفضل من أي شخص آخر ويتوقعون الإعتراف من الأخرين بهذه الصفة , حتى إذا لم يفعلوا أى شيئً حقيقى يستوجب هذا الإعتراف من الأخرين. وغالبا ما يبالغون أو يكذبون صراحة عن إنجازاتهم ومواهبهم. وعندما يتحدثون عن العمل أو العلاقات ، كل ما ستسمعه هو مقدار مساهمتهم وكم هي رائعة هذه المساهمات ، وكم هم محظوظون الأخرون بتواجد الشخص النرجسي في حياتهم. هم النجم بلا منازع والأخرين في أحسن الأحوال لاعبين صغار.
يعيشون في عالم خيالي يدعم أوهامهم بالعظمة:
نظرًا لأن الواقع لا يدعم نظرتهم العظيمة لأنفسهم ، يعيش النرجسيون في عالم خيالي مدعوم بالتشويه والخداع الذاتي والتفكير السحري. تدور أوهامهم حول تمجيد الذات من النجاح غير المحدود والقوة والذكاء والجاذبية والحب المثالي الذي يجعلهم يشعرون بالخصوصية والتحكم. هذه الأوهام تحميهم من الشعور بالفراغ والعار الداخليين ، لذلك يقومون بتجاهل الحقائق والآراء التي تتعارض مع هذه الأفكار أو تحاول ترشيدها, أو أي شيء يهدد بتفجير الفقاعة الخيالية يتم مواجهته بدفاع وغضب شديدين ، ولذلك يتعامل الأشخاص المحيطين بالنرجسيين بحذر شديد بسبب إنكار الأشخاص النرجسيين للواقع دائما .
يحتاجون إلى الثناء والإعجاب المستمر:
إن شعور النرجسيين بالتفوق يشبه البالون الذي يفقد الهواء تدريجياً إذا لم يحدث دفق ثابت من التصفيق والإعتراف بالعظمة لإبقائه منتفخاً. مجاملة عرضية ليست كافية. يحتاج النرجسيون إلى تغذية ثابتة لإحساسهم بالعظمة، لذلك يحيطون أنفسهم بأشخاص مستعدين لتلبية رغباتهم الهوسية للتأكيد على إحساسهم بالعظمة. هذه العلاقة تكون من جانب واحد فقط, الأمر كله يتعلق بما يمكن أن يفعله المعجب والمشجع للنرجسي ، وليس العكس. وإذا حدث أي إنقطاع أو تناقص في إهتمام المشجعين ومدحهم ، فإن النرجسيين يعاملونهم كخونة.
شعور الإستحقاق:
لأنهم يعتبرون أنفسهم مميزين ، فإن النرجسيين يتوقعون معاملة تليق بعظمتهم وأنهم يستحقون هذه المعاملة. إنهم يعتقدون أن كل ما يريدون يجب أن يحصلوا عليه. كما يتوقعون أن يلتزم الأشخاص من حولهم تلقائيًا بتحقيق رغباتهم ونزواتهم,وهذه هي قيمة الأخرين الوحيدة بالنسبة للأشخاص النرجسيين. إذا كنت لا تلبي كل إحتياجاتهم ، فأنت غير مجدي. وإذا كان لديك الرغبة فى تحدي إرادتهم أو طلب شيء في المقابل ،فيجب أن تستعد للعدوان والغضب ، أو البرودة فى التعامل.
يستغل الآخرين دون ذنب أو خجل:
النرجسيون لا يملكون القدرة على الشعور بمشاعر الآخرين والتفاعل معهم إيجابيا , أو تصور أنفسهم مكان الآخرين لتفهم مشاعرهم. بمعنى آخر ، يفتقرون إلى التعاطف. في نواح كثيرة ، ينظرون إلى الأشخاص في حياتهم كأشياء متواجدون فقط لخدمة إحتياجاتهم. نتيجة لذلك ، لا يفكرون مرتين في الإستفادة من الآخرين لتحقيق أهدافهم الخاصة. أحيانًا يكون هذا الإستغلال الشخصي خبيثًا وبشكل غير مباشر ، لكن غالبًا ما يكون هذا الإستغلال واضح للجميع.. ببساطة ، لا يفكر النرجسيون في كيفية تأثير سلوكهم على الآخرين. وإذا قمت بلفت نظرهم ، فإنهم لن يفهموا. الشيء الوحيد الذي يفهمونه هو إحتياجاتهم الخاصة.
في كثير من الأحيان يحط من شأن الآخرين أو يخيفهم أو يقلل من شأنهم:
يشعر النرجسيون بالتهديد كلما صادفوا شخصًا يبدو أنه لديه شيء ينقصهم , وخاصة أولئك الذين لديهم ثقة من المحيطين وشعبية كبيرة. كما يتعرضون للتهديد من قبل الأشخاص الذين لا يهتمون بهم أو الذين يتحدونهم بأي شكل من الأشكال. آلية دفاعهم هي محاولة إزدراء هؤلاء الأشخاص,حيث تكمن الطريقة الوحيدة لتحييد التهديد ودعم الأنا المتداعية الخاصة بالشخص النرجسى فى هذه الحالة فى محاولة إسقاط هؤلاء الأشخاص. قد يفعلون ذلك بطريقة التجاهل كمحاولة لإظهار هذا الشخص كشخص غير مهم بالنسبة لهم. أو قد يواصلون الهجوم بإستخدام الإهانات والبلطجة والتهديدات كمحاولة لإجبار الشخص الآخر على العودة إلى الخلف والتراجع عن تحديهم.
الأشخاص المعجبين بالنرجسيين:
يكون النرجسيون جاذبين كالمغناطيس وساحرين للغاية لبعض الأشخاص. إنها جيدون جدًا في إنشاء صورة ذاتية خيالية ومغرية تجذب البعض. فالبعض منجذبون إلى إدعاء الثقة الظاهرة عليهم , وإدعائهم السعى لتحقيق الأحلام والأهداف النبيلة ,وكلما كان هناك إهتزاز أكثر في تقدير الذات بالنسبة للأشخاص المعجبين بالشخص النرجسى، كلما كان إغراء الشخص النرجسى أكثر . فمن السهل إنجذاب بعض الأشخاص للشخص النرجسى، إعتقادًا أن الشخص النرجسى سيحقق رغباتهم في الشعور بالأهمية. لكن هذا مجرد خيال ، و يؤدى إلى خسارة كبيرة معنوية ومادية.إلى كل من ينجذب لشخص نرجسى ,لن يتم تلبية إحتياجاتكم أو حتى الإعتراف بها. من المهم أن تتذكروا أن النرجسيين لا يبحثون عن شركاء ؛ إنهم يبحثون عن معجبين مطيعين. إن القيمة الوحيدة بالنسبة للنرجسي هي فى شخص يمكن أن يخبره كم هو عظيم و أن يدعم الأنا الذي لا يشبع. فالنرجسى لا يأخذ رغباتك ومشاعرك فى الحسبان.فيجب أن تنظر إلى الطريقة التي يعامل بها النرجسي الآخرين. إذا قام النرجسي بالكذب والتلاعب بالأخرين وعدم إحترامهم والتسبب فى الألم لهم ، فسوف يعاملك في النهاية بنفس الطريقة. لا تتصور أنك ستكون مختلف.
و السؤال الأهم الأن وهوموضوع هذا المقال:
هل يعاني الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من إضطرابات الشخصية النرجسية:
والإجابة هى :عندما ننظر إلى أعراض إضطرابات الشخصية النرجسية ، فإن هذا حقيقى بالفعل,فأعراض الشخصية النرجسية تتفق مع سياسة أردوغان الداخلية والخارجية كما يلى:
يتوقع أن يتم الإعتراف به على أنه متفوق ومختلف ، دون إنجازات كبيرة:
فى حين أن إنجازات أردوغان تعتبر إنجازات متوسطة مقارنة بالعديد من القادة الآخرين داخل وخارج تركيا ، فقد تحدث أردوغان كأنه قام بالتغييرات الإيجابية الرئيسية في إقتصاد تركيا. فهو يدعى بأنه السبب فى نمو الإقتصاد التركي, بينما كان الإقتصاد يتحسن بالفعل قبل أن يتولى منصبه وذلك بفضل كمال درويش وزير الشؤون الإقتصادية والمالية فى حكومة رئيس الوزراء بولنت أجاويد.
تتوقع الإنتباه المستمر والإعجاب والتعزيز الإيجابي من الآخرين:
لم يحدث في أي وقت من الأوقات في تاريخ تركيا الحديث والمعاصر، أن جمع رئيس وزراء أو رئيس تركي مؤيديه في مكان ما لإلقاء خطاب وتلقي التصفيق كما يفعل أردوغان.
يحسد الآخرين ويؤمن بأن الآخرين يحسدونه:
لاحظ تصريحات أردوغان المستمرة حول كيف يشعر السياسيون الآخرون بالغيرة من نجاحه ونجاح حزبه (كما يقول) ,حيث يتوافق هذا مع إسلوب تفكير الشخصية النرجسية,بل و يرى أن روساء ودول أوروبا تحسده وتحسد تركيا بدون وجود إنجاز يبرر تصوره هذا.
مشغول بالأفكار والتخيلات بتحقيق نجاحا كبيرا ، و جاذبية هائلة ، و قوة ، و ذكاء لامع:
“أريد ذلك” ، “سيحدث ذلك” ، مجرد كلمات يطلقها فى كل أزمة جديدة تدخل فيها تركيا بسبب سياسته الداخلية والخارجية، بخلاف تغيره لنظام الحكم فى تركيا لنظام رئاسى لتولي منصب الرئيس بعد 10 سنوات من توليه منصب رئيس الوزراء .
يفتقر إلى القدرة على التعاطف مع مشاعر أو رغبات الآخرين:
نرى ذلك فى إستغلاله للاجئين السورين للضغط على أوروبا لدعمه ضد روسيا ودعمه ماديا,بدفعه للاجئين إلى حدود تركيا مع اليونان,بل والمشاركة فى تدمير سوريا وقتل وتشريد الشعب السورى من أجل ضم شمال سوريا لتركيا لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.
متعجرف في المواقف والسلوك:
قال أردوغان، إن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، ليس ندا له وذلك بعد إشارته إلى أن العبادى يسيء له بصورة شخصية، وذلك بعد إنتقاد العبادي للدور التركي في الأراضي العراقية.
لديه توقعات بمعاملة خاصة غير واقعية:
يرغب فى التعامل معه كرئيس عظيم لدولة عظمى على أساس أنه الوريث لسلاطنة الدولة العثمانية,بالرغم من أن الدولة العثمانية نفسها لم تحظى بالقوة إلا لفترة قصيرة أصبحت بعدها رجل أوروبا المريض,كما أن تركيا نفسها ليست دولة عظمى إقتصاديا أوعسكريا,فهى تعتمد فى تصنيعها على آلات الإنتاج المستعملة والتى يتم فكها من المصانع الألمانية , لإحلال الألات والتكنولوجيا الأحدث مكانها فى ألمانيا,حيث يتم شراء هذه الألات المستعملة بواسطة رجال الأعمال الألمان من أصل تركى ونقلها لتركيبها فى تركيا. كما أن تركيا تعتمد فى تسليحها على الأسلحة وقطع الغيار الأمريكية والألمانية والفرنسية وحتى الإسرائيلية.
من كل ما تقدم يمكن ملاحظة ان أردوغان يعانى فعليا مما يطلق عليه فى علم النفس إضطرابات الشخصية النرجسية,مع الوضع فى الإعتبار أنه نظرًا لطبيعة الإضطراب ذاته ، فإن معظم الأشخاص الذين يعانون من إضطرابات الشخصية النرجسية يحجمون عن الإعتراف بأن لديهم مشكلة , ونادرا ما يطلبون العلاج لحالتهم إلا لإظهار أنهم ضحية للأخرين . و حتى عندما يفعلون ذلك ، فإن إضطرابات الشخصية النرجسية قد يكون من الصعب للغاية علاجه, مع العلم بأن الشخص النرجسى يعى تماما ما يفعله بالأخرين,أى أنه يفعل ما يفعله بإرادة كاملة..