بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
قرأت منذ فترة كتاب بعنوان ” عقيدة الصدمة : صعود رأسمالية الكوارث ” للكاتبة “ناعومي كلاين” وهي كاتبة يسارية تعيش في الغرب وربما يكون حكمها على الحياة في الغرب أكثر تطرفا وتحيزا من اليساريين الذين يعيشوا في الشرق وليس الغرب ، الكتاب يتعرض لفكرة الاقتصادي الاكاديمي الكبير “ميلتون فريدمان” من جامعة شيكاغو الأمريكية وتتمحور فكرته باختصار حول تمرير بعض الإجراءات الاقتصادية الرأسمالية في أوقات الأزمات والكوارث مثل الخصخصة وتحرير التجارة وتحرير أسعار صرف العملات الأجنبية وأن يكون دور الدولة قاصرا على الدور الأمني والشرطي وهي نظرة يسميها البعض الدور القمعي للدولة وهي نظرة غير عادلة لأن للدولة مؤسسات تشريعية وقضائية تعلو على دور الأمن والشرطة وللدولة مؤسسات تنفيذية أخرى تعلو في قوتها على دور الأمن الداخلي والشرطة مثل دور القوات المسلحة التي تتدخل في أوقات الأزمات ومن الواقع المصري قد يهاجمني قاريء الآن ويسارع ليقول إن الدولة استغلت كوارث وأزمات ثورتين متتاليتين خلال ثلاث سنوات بداية من ٢٠١١ لتمرير برنامج الإصلاح الاقتصادي وأقول إن هذا خاطيء تماما لأن الدولة المصرية قررت ذلك التحرير في أسعار الصرف وأسعار السلع منذ أيام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات ولكن تم التراجع عن تلك الخطوة بسبب مزايدات أيديولوجية واستغلال وجشع بعض التجار ومصر تأخرت كثيرا في إتخاذ تلك الخطوات الإصلاحية ونتيجة لما قامت به مصر من إصلاح اقتصادي منذ عام ٢٠١٦ أصبحت لدى مصر قدرة على مواجهة التداعيات السلبية لتفشي وباء كورونا وأصبحت مصر مرشحة لتحقيق أكبر معدل نمو اقتصادي في أفريقيا والشرق الأوسط لعام ٢٠٢٠ رغم تحقيق معظم دول العالم لمعدلات نمو اقتصادي بالسالب لذات العام وهذا يدلل على أن مصر استفادت حقا من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال أربع سنوات فقط بشكل كبير ومع الأخذ في الاعتبار دور الدولة منذ بداية أزمة تفشي وباء كورونا من خلال ضخ حزم مساعدات تتجاوز ١٠٠ مليار جنيه لمعظم القطاعات الاقتصادية كل ذلك إلى جانب أنه لا يمكن إنكار دور الدولة الاقتصادي ايضا في توفير حد أدنى من بعض السلع مثل الأغذية والمطهرات والأدوية والكمامات في وقت الأزمة إلى جانب الإعفاء من بعض أنواع الضرائب خلال العام الحالي إلى جانب ضخ المزيد من الأموال كحزم مساعدات لم يكن مخططا لها في مشروع الموازنة العامة مما يؤكد أن للدولة دور اقتصادي كبير يتخطى دور الأمن والشرطة وقد يزيد ذلك الدور في أوقات الأزمات وليس بالضرورة أن تكون كل الأزمات سببا في تمرير سياسات رأسمالية قاسية كما تظن الكاتبة اليسارية “ناعومي كلاين” ، ومع ذلك فاني أرى أن الكتاب مهم جداً رغم اختلافي مع الكاتبة في أمور كثيرة إلا أنه لا يزال هناك بعض الحقائق في كلامها
والخوف الحقيقي من خلال وجهة نظري المتواضعة ليس في زيادة دور القطاع الخاص على حساب دور الدولة وليس في تشبيه الراسماليين بالشياطين الخوف أن يتحول بعض الراسماليين لشيطاين وقتلة فعلا إذا تأكد صعود قوى كبرى مثل الصين أو روسيا مع العلم أن كلا من الصين وروسيا اليوم ليسا بنفس المستوى من الشمولية والاشتراكية كما في السابق ولكن أصبح هناك نموذج مُختلط في كل دول العالم ولكن بدرجات متفاوتة فعاصمة الصين “بكين” أصبحت قِبلة لرجال الأعمال في العالم وأصبحت تضم أكبر عدد من المليارديرات يفوق من هم في أي عاصمة أوروبية أو واشنطن ونيويورك ، وأعتقد أنه فقط الخوف هو من يحرك كلا الجانبين على الأساس الايدولوجي
اليسار التقليدي واليمين التقليدي ، وأعتقد أن اليسار التقليدي ليس موجودا في الشرق كالسابق وانما بقاياه الشرسة موجوده في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أي داخل الغرب ذاته لأنهم أي اليساريين في الغرب يروا كل تصرفات الغرب من زاوية مختلفة وربما أكثر تأثرا وربما أكثر تطرفا في الحكم على الرأسمالية والليبرالية ، وأصبح العالم الآن على مستوى القيادات والنخب السياسية والاقتصادية تحركهم المصالح وليس الايدولوجيات لأن المصالح أصبحت متداخلة ومتشابكة إلى حد كبير جدا بشكل يمنع المواجهات المباشرة والحادة والحاسمة بشكل قاطع ومفاجيء وإذا ما قرر صناع القرار أو حتى رجال الأعمال من ورائهم الانتصار لفكرة أيديولوجية ما فإن ذلك سوف يكون خرابا اقتصاديا وسياسيا ودمارا للبشرية والكوكب أجمع نتيجة لتداخل المصالح الاقتصادية ونتيجة للقوة التدميرية الهائلة لمختلف أسلحة الدمار الشامل سواء في الشرق أو الغرب .
واذا لم يستطع قادة العالم الاندماج في نظام سياسي واقتصادي جديد يحقق مصلحة البشرية ككل معا وليس مصلحة وطنية أو مصلحة أيديولوجية ضيقة سيبقى البشر في حالة صراع يؤدي لهبوط البعض وصعود البعض الآخر ثم تنعكس الأقطاب ليصعد من سبق هبوطه ويهبط من سبق صعوده لكن مع حدة الصراع المحموم الآن ومع وجود أسلحة نووية وبيولوجية وكيميائية قد تهدد العالم أجمع يُصبح الحل الوحيد هو زيادة الرقص بين الكبار ليرقصوا رقصة الموت على رؤوس الضحايا من الصغار إلا أنه مع ذلك قد تحدث يوما ما شرارة مواجهة مباشرة بين الكبار فينتهي كل شيء على سطح هذا الكوكب ، فهل أصبح يعي قادة الدول ورجال الأعمال والمفكرين وأجهزة الاستخبارات ومراكز الأبحاث الاستراتيجية أنه لا مجال حاليا بعد الشكل الحديث للصراعات الاقتصادية والصراعات المسلحة إلا مواجهة المشاكل السياسية والاقتصادية من خلال التفاوض واقتسام السلطة والثروة بشكل عالمي جديد يحد من الصراع بل ويمنعه بدلا من استمرار التدخل في شئون الفقراء والضعفاء واستنزاف قدراتهم ومن ثم ودون وعي استنزاف قدرات الدول الكبرى ذاتها على الأجل الطويل ومع تناقص الموارد واستنزاف الكوكب بمرور الوقت سوف تصبح المواجهة محتومة بين الكبار إذا لم يتم التغلب على شهوة “الأنا” واستبدالها بفكرة “نحن” .
ومما تقدم ذكره فإنه يجب تأجيل محاكمة النفس ومحاكمة الغير على أساس طائفي أو أيديولوجي أو قومي والإقرار بأنه لا مجال للمصلحة الوطنية المتطرفة أو الايدولوجية المتطرفة على حساب بقاء البشرية ككل وحتى من يدعي أنه الشعب الأكثر إيمانا أو الشعب المختار فإنه وفقا لكل المعتقدات السماوية لا يجوز له أن يخوض حروبا لفناء البشرية يتم فيها القضاء على من يخالفه في العقيدة لأن تلك تأويلات بعض رجال الدين وليس صحيح ما جاء في أي معتقد سماوي فكل المعتقدات السماوية تسعى للحفاظ على النسل والعقل والبشر جميعا متساويين في حق الحياة وفي حقوق حقن الدماء ، وحتى لا يتشتت ذهن القارئ غير المتخصص وحتى لا يفهم البعض وجهة نظري بشكل مغاير لما أريد الوصول إليه حقا فإني أسعى من خلال ما سبق ذكره إلى أن تحقق البشرية يوما ما الآتي :-
. الجلوس بين الدول الكبار للتفاوض بصراحة ووضوح حول اقتسام السلطة والثروة على الصعيد العالمي وتشكيل مؤسسات أممية جديدة بعيدة عن الهيمنة لأي جانب في الشرق أو الغرب وبهدف خدمة الإنسانية وتحقيق مصالح كل شعوب العالم دون الانتصار لأي أيديولوجية أو عقيدة على حساب الايدولوجية أو العقيدة الأخرى والإقرار بأن البشرية يجب أن تتخطى مرحلة “الأنا” وتبدأ مرحلة “نحن” وضرورة توقف كل استغلال سيء وخاطيء لأي معتقدات دينية أو أيديولوجية لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية ويجب عدم استمرار المراهقة السياسية من استغلال سياسي ممنهج لحركات التحرر النسوية ومنظمات المجتمع المدني الدولية في مجال حقوق الإنسان ودعوات التحرر الجنسي وغيرها من دعوات وحركات ومنظمات تستغلها الدول ضد بعضها البعض سياسيا وأكرر مرة أخرى يجب أن تتخطى الإنسانية المراهقة الفكرية والسياسية إلى مرحلة جديدة من النضج تعرقل الفرص أمام أي صراع مسلح عالمي يطيح بمستقبل البشرية ككل .
. يجب أن يخرج الحوار بين أتباع النظريات السياسية والمعتقدات السماوية والأرضية إلى إحترام مبدأ المساواة وان الخيرية والافضلية عند الله فقط ولا يجب أن يستغلها المتطرفين في كل جانب للدفع الى الصراع في الدنيا وان الخيرية والافضلية ستتقرر نهائيا وقطعيا في الآخرة ومن سيحكم بالخيرية والافضلية هو الخالق لكل البشر وأنه لا مجال في الدنيا الا التعاون وليس الصراع والتأكيد على أنه لا يوجد نقاء عرقي خالص وأننا كلنا دمائنا مختلطة بشكل أو بآخر وأننا جميعا أبناء لأدم وحواء عليهما السلام ولا يجب استعلاء البعض منا على البعض الآخر تحت ما يسمى بنظرية النقاء العرقي التي سقطت علميا قبل أن تسقط سياسيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية ولا مجال للنقاء العرقي عند اتباع الديانات السماوية الا عند المتطرفين منهم فقط ويجب اجتثاث جذور التطرف عند أصحاب كل دين وكل فكر ويجب مواجهة أصحاب المصالح في زراعة بذور ذلك التطرف في كل دين فكل الأديان السماوية بريئة تماما من كل تطرف لكن أهل الشر يتستروا بستار التدين وقد يكون أهل الشر من رجال الدين أو من رجال حقوق الإنسان وقد يكون رجال الشر ممن ينادوا بالحرية المطلقة أو ممن يعادوا أي حريات يجب أن نعي ذلك تماما لمواجهة أي تطرف وأي شر وأي استغلال لجموع البشر للزج بهم في صراعات وخلافات محمومة لا طائل من ورائها إلا الدمار .
. ويجب الخروج من دائرة الصراع بين اليسار التقليدي واليمين التقليدي والخروج من دائرة الصراع حول الانتصار لأي نظرية شمولية أو لأي نظرية ليبرالية أو أدوات عمل اشتراكية وأخرى رأسمالية يجب المساواة في أي طرح بشري للأفكار واحترام كل الأفكار دون حشد طاقة المفكرين لهدم أفكار الآخرين من خلال الكثير من التطرف والمبالغات فكل الأفكار قابلة للتطبيق ما دامت تحقق مصالح البشرية ككل وليس مصالح فئة محدودة على حساب فئة أخرى ولا مجال للمزايدة في ذلك إذا أرادت البشرية إعلاء مصلحة الإنسان كإنسان أيا كان لونه أو دينه أو فكره أو لغته أو موطنه الأصلي فكلنا أبناء لأدم عليه السلام وكلنا نحيا معا على سطح ذلك الكوكب نتنفس هوائه ونتشارك موارده فيجب أن نتخطى مرحلة “الصراع” إلى مرحلة “التعايش” من خلال اقتسام عادل نسبيا للسلطة والثروة على الصعيد العالمي ككل .
وفي الختام أود أن أطرح هذا السؤال هل يمكن أن يصعد نظام مختلط يقود العالم ويكون خارجا من إحدى الدول في الشرق دون صراع مع الغرب ؟ ، وهل يكون ذلك الخروج بداية نضج للإنسانية لتكون الخطوة المقبلة خطوة تعايش للجميع وليس خطوة إقصاء أو تقسيم العالم إلى عالم أول في الغرب وعالم ثاني في الشرق وعالم ثالث يجب عليه أن يكون تابعا إما للشرق أو تابعا للغرب ؟ ، هذا ما سوف تجيب عليه الإنسانية بمستقبلها وفكرها ومواردها وقد تكون الإجابة بالدماء والنار أيضا .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي