أبريل 28, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

 إستراحة محارب .. بقلم ريهام المكاوي

 

هل فكرت يومًا ما في حياتك أن تأخذ إستراحة (إستراحة محارب؟).

في حياتنا نتعرض للكثير والكثير منذ صغرنا في فرض قواعد وأنماط للحياة علينا ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الأنماط والقواعد نضطر للسير معها أحيانًا كطفل متكيف، ولكن هيهات هيهات أن يظل الوضع طوال الحياة بهذا الشكل، فنفسنا وروحنا لها علينا حق وفي لحظة ما يخرج عقلنا الباطن بقرار مفاجيء بإيقاف مهزلة(الركض في الحياة)، نعم (إيقاف مهزلة الركض في الحياة؟)، وهل الركض في الحياة مهزلة؟

نعم، إن الركض في الحياة مهزلة وذلك حينما يتعارض مع قوله تعالى(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) سورة الملك، آية (15).

ففي هذه الآية الكريمة أمرنا المولى تبارك وتعالى، بأن نسير في الحياة ولا نركض فيها بدون أن نتوقف لإلتقاط أنفاسنا، ولكن الذي يحدث عند الغالبية العظمى منا هو (التناحر على الدنيا)، والركض مثل الوحوش في البرية دون التوقف لإلتقاط الأنفاس، سيرًا وراء أفكار مجتمعية قد أكلتها القردة مثلما أكلت صحيفة المشركين في حصار بني هاشم قوم الرسول صلى الله عليه وسلم في شعاب مكة .

فنشعر أن الدنيا تجري وراءنا وأن أنفسنا تسحب منا وكذلك أرواحنا تضيع منا، ولا نشعر بسلام وهدوء نفسي البتة ثم نورث ذلك لأبنائنا ونجبرهم على الركض في الحياة، أيضًا ولا يتوقفون لإلتقاط أنفاسهم وأخذ إستراحة محارب.

نعم، نجبر أنفسنا ونجبرهم على قوالب مجتمعية معينة من أجل الظهور أمام الناس ومن أجل المكانة الإجتماعية، فمن الناس من هم عبيد للناس دون رب الناس، عبيد للناس ولو على حساب أنفسهم في غير موضعه، عبيد للناس في أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم، وفي كل حياتهم بعيدًا عن أنفسهم وعلى حساب ظلمها وهجرها والبعد عنها.

نجبر أنفسنا على الركض من أجل تحقيق أهداف واهية، ثم نخرج من شيء إلى شيء آخر من القوالب المجتمعية التي تنتظرنا منذ ولادتنا أكثر من الحرام والحلال، وتكون المحصلة النهائية ضياع للحياة وضياع للعمر وشرك خفى نعبد فيه غير الله تعالى.

ولكن في وقت ما، الأمر يستحق وقفة، يستحق(إستراحة محارب)، لإلتقاط الأنفاس والإقتراب من النفس مرة أخرى والبحث عنها.

إستراحة المحارب هذه تكون نابعة عن نفس منهكة في طرقات الحياة الوعرة، عن نفس قد تم تشويهها بأفكار هدامة لا تسمن ولا تغني من جوع، نفس قد تم وأدها بالحياة بما لا يرضي الله عزوجل، نفس قد تم الإعتداء عليها وإمتهان حقوقها في الحياة.

فتستحق تلك النفس، أن تقرر في وقت ما، أن تأخذ إستراحة، إستراحة محارب من أجل إلتقاط الأنفاس وعيش الحياة بطريقة صحيحة.

فالحياة ليست عبارة عن مجموعة من الظروف والأحداث التي تفرض علينا، وكذلك ليست غابة نركض فيها مثل الوحوش في البرية متخلين عن إنسانيتنا، وكذلك ليست مضمار للسباق والتنافس في الزواج والإنجاب، وليست مضمار للتفاخر والتباهي أمام الناس.

فكل ذلك مما يدخل في الشرك الخفى، تحت بند(عدم العبودية لله تعالى)، وعبودية أشياء مجتمعية دونه، فلو تحققت العبودية لله تعالى، لصارت الحياة جنة مزدهرة بيضاء.

لذلك فإن الأمر يستحق أحيانا إستراحة، (إستراحة محارب)، نستعين فيها أنفسنا التي شوهت وطمست بفعل الزمن، والتي لم نعرف يومًا ما (كيف نستعيدها؟)، والتي لم نعرف يومًا ما أنها هنا.

فكم منا قد فكر أن يتحرر من المجتمع، وأن يأخذ إستراحة، (إستراحة محارب)، يلتقط فيها الأنفاس، ويسعى لبناء نفسه الحقيقية والقرب منها، من أجل أن يحيا الحياة التي تليق به، ولا تليق بغيره، فعند الرحيل ستقول(ياليتني قدمت لحياتي)، ولم أقدم لأفكار المجتمع وقواعده الهدامة التي ظلمت نفسي كثيرًا من أجلها، ولا تنفعها بشيء بعد الموت، فحينما تقدم لنفسك ستقدم للمجتمع ما ينفعه وتساعده على عدم ظلم نفسه أكثر.