أبريل 24, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

قصة قصيرة بعنوان “مزايا الألم” بقلم يوسف محمد أبو زيد

 

إنَّ الكونَ بمحتواهِ يمضي إلى الأمامِ، فالقافلةُ تسيرُ إلى الأمامِ، والماءُ ينحدرُ إلى الأمامِ، والوقتُ يمرُّ يُسابقكَ إلى الأمامِ، فلا تُخالف سنةَ اللهِ وتحرَّكَ أنتَ أيضًا إلى الأمامِ، إنَّ الماضي عند العقلاءِ يُرمى في غياهبِ الظلامِ، ولا يرى النورَ، فلا تلتفت إلى الماضي مهمَا واجهتَ مِنْ عناءٍ، إنَّ التنافسَ مع الذَّاتِ هو أفضلُ تنافسٍ يحققهُ الإنسانُ، إن المعاقَ هو معاقُ الإرادةِ والعزيمةِ، وها أنا أمامَكم أقفُ متوجةً كأفضلِ محفزةٍ للطاقةِ الإيجابيةِ في العالمِ، لطالما أشفقوا عليَّ، فمن يستحقُ الشفقةَ الآنَ؟ أشعرُ بالشفقةِ على هذا العالم المكبلِ إرادته، المحطمةِ عزيمته، حرِّروا أنفسَكُم منْ أنفسِكُم، اليومُ يومُكم، والمستقبلُ يناديكُم، فهلَّا لبيتم النداء.. بهذه الكلمات أنهت “نور عبد الرحيم” كلِمتَهَا الافتتاحية في حفل تتويجِهَا بالجائزةِ الأولى وسطَ تصفيقِ الجميعِ منبهرينَ؛ بقصةِ كفاحِهَا العظيمةِ التي وصلتْ بهَا لتلك المكانة الكبيرة، وفي تلك اللحظةِ الحماسيةِ، وقعت هَزَّة أرضية بسيطة اهتزت معها أغصانُ الذكرياتِ، تحتَ منضدةٍ متهالكةٍ في صالةِ منزلٍ قديمٍ تقيمُ فيه الأمُّ مع ولديهَا وابنتِها الوحيدةِ، ضمَّتْ الأمُّ ولديها خائفةً، قال أحدُهُمَا: لقد أنسانا الخوفُ نور يا أمي، فسارعه الأخرُ: اتركها لمصيرِهَا، وقعت الكلمةُ على قلبِ الأمِّ باردةً وكأنَّها تتمنى أنْ تتخلصَ مِنْ هذا الحملِ الَّذي طالمَا تحمَّلتُهُ بمفردِهَا مُنذُ تُوفَّي زوجُها وتركَهُم وحدَهُم ينهِشُ فيهم الفقرُ نهشًا، فقد تركَ لها الزوجُ ولدين كانت ترى فيهما المنقذَ من ذلِّ الحياةِ، وفتاةً يراها المحيطون بِهَا هي أمُّ الشؤمِ، فالبيتُ قبلَ مجيئِهَا كان فِردوسًا صغيرًا مِنْ فراديسِ الجنةِ، ثُمَّ بعدَ مجيئِهَا استَحَالتْ حالتُهُ فأصبحُوا أمامَ مقبرةٍ موحشةٍ، وأصبحُوا محلَ همزٍ ولمزِ المحيطينَ بِهم؛ بسببِ شكلِ الفتاةِ القبيحِ، وهيكلِهَا المخيفِ، عينان سوداوان، وجهٌ شاحبٌ، ساقٌ نحيلةٌ برزت أوتارُهَا، وفخذٌ ضامرٌ وحنجرةٌ بارزةٌ، وفقراتُ ظهرٍ تنمُّ عن نحولٍ شديدٍ، فهي أشبه بميتٍ بُعِثَ لتوهِ من مقبرتِهِ، كانت تخرجُ لتلعبَ أمامَ البيتِ فكانت تلك الدقائقُ تدبُّ في روحِهَا الحياةَ منْ جديدٍ، وكانت تشعرُ الأسرةُ أنَّ قيدًا من قيودِهَا انفكَّ بخروجِهَا، حتى خرجتْ يومًا كعادتِهَا، فراحَ الصبيةُ يسخرونَ مِنهَا، وبعضُ الجيرانِ قد اشتكُوا أنَّ شكلَهَا يُوقِعُ في نفوسِ الأطفالِ الأبرياءِ الذُّعرَ! فطلبُوا حبسَها، فوافقت رغبتُهُم رغبةَ الأمِّ!، كان قلبُ الفتاةِ يبكي قبلَ عينِهَا، ولسانُ حالِهَا يقول: “لو كنتُ أملكُ من أمرِ نفسِي شيئًا؛ لعفيتُ نفسِي وأهلِي مما نتعرضُ لهُ”، وعِندما جاءَ وقتُ دخولِهَا المدرسةِ رفضتْ الأمُّ، ولكن برقَ الأملُ في عينِ الفتاةِ عِندمَا سمعتْ عمَّتَها تعرضُ على أمِّهَا أنْ تتكفلَ بمصاريفِ تعليمِهَا كاملةً، ولكنَّ الأملَ تبددُ حين رفضت الأم، مرَّت السنواتُ “ونور” لا تخرجُ من حجرتِهَا حتَّى لا ترى السُّخط في نظراتِهِم، حتى أتى يومٌ بدَّلَ اللهُ فيه الأقدارَ، يومٌ حضرت فيه عمَّتُهَا ومعها بعضُ الخيرِ ممَّا تجلبُهُ مَعها دائمًا، سلَّمت العمةُ على الأمِّ وعلى الولدينِ، وعِندما وقعَ نظرُهَا على “نور” فزِعَت إليهَا تحمِلُهَا مُحاولةً أنْ تُوقظَهَا من ثُباتِهَا العميقِ، بلَّتْ شفتيها المتقرحتينِ بالماءِ وأعطتها بعضًا من عصيرٍ كانت قدْ أتت به معهَا، حَاولت “نور” أنْ ترفعَ جفنيها عن عينيها بصعوبةٍ بالغةٍ حتى التقت العينان فلم يفترقا بعد يومِهَا هذا… نظرتْ العمةُ للأمِّ قائلةً: أما تخجلين؟ عارٌ عليك، إنَّكِ تمشين بابنتِكِ في طريقِ القبرِ، مِنْ اليومِ نور ستعيشُ معي، فوافقت الأمُّ راضيةً مستبشرةً.
وعِندما خَطَّت “نور” أُولَى خُطوتِهَا في بيتِ عمَّتِها شعرتْ بدفءٍ عجيبٍ، ولاحظتْ انخفاضَ دقاتِ قلبِهَا مُنبئةً بمستقبلٍ بلا خوفٍ، وفي الصباحِ طلبتْ عمَّتُهَا مِنها أنْ ترتدي ملابِسَهَا؛ ليخرُجا معًا دون أن تُعلِمَهَا عنْ وجهتِهِمَا، وقفتْ العربةُ أمامَ عيادةِ الدكتور “علاء مختار” الذي رحَّبَ بِهمَا مُداعِبًا نور قائلًا: هل تسمحين لي أنْ أكشُفَ عليكِ يا جميلتي؟، كانَ وقعُ الكلمةِ على أذنيها غرِيبًا فلمْ تتذكر يومًا أنْ سمِعت كلمةً طيبةً منْ أحدٍ باستثناءِ عمَّتِهَا، ذهبتْ “نور” مَعَهُ صامتةً في إذعانٍ، “عال، أنتِ بصحةٍ جيدةٍ”، قالها الدكتورُ مبتسمًا ثم جلس بينمَا “نور” ترتدي ملابسَهَا قائلًا إلى العمةِ: حالة نور هي حالةٌ نادرةٌ تُسمَّى “متلازمة بروجي” وهو مرضٌ يُسببُ غياب الخلايا الدهنية، ويُسببُ نحافةً شديدةً، كما يُسببُ أيضًا ضعفًا شديدًا في جهازِ المناعةِ وتحتاجُ للمتابعةِ المستمرةِ حفاظًا على حياتِهَا، فقالت العمة: هل الأمر خطير؟، فردَّ الدكتور علاء: سيكونُ خطيرًا إذا أهملنَا فيهِ، وبالمناسبةِ، هناك مؤتمرٌ عالميٌّ سيكون فيه كثيرٌ من الأطباءِ العالميين في هذا المجال، ما رأيكِ لوْ أخذتُ “نور” معي لعرضِ حالتِهَا عليهم؟ فقالت العمَّةُ: لعلَّهُ الخير.
وفي المؤتمرِ كان الدكتورُ “علاء” وبجانبهِ تمشي “نور” وسطَ عيونٍ تراقبُهَا استغرابًا منْ شكلِهَا القبيحِ ونحافتِهَا الشديدةِ، فكانتْ تحاولُ أنْ تختبئ خلفَ عمَّتِها؛ لتتحاشى نظراتِ النَّاسِ لهَا، تمَّ عرضُهَا على طبيبٍ ألمانيٍّ متخصصٍ، وضعَ لها خُطَّةً علاجيةً كاملةً، بدأتْ “نور” تطبقُ الخطَّةَ ملتزمةً بكلِّ تفصيلةٍ بهَا حتَّى وإنْ كانتْ صغيرةً، فهي تريدُ أنْ تخرجَ منْ مستنقعٍ ليس لها يدٌ في وجودِهَا بداخلِهِ، فكانتْ تتناولُ غذاءَهَا وعلاجَهَا بالتزامٍ تام، ثُمَّ تذهبُ إلى مركزِ تنميةِ المهاراتِ، وبعدَهَا إلى دروسِ الموسيقى الَّتِي التحقتْ بِها مُنذُ شهرين، وفي التعليمِ كانتْ تمرُّ السنةُ بعدَ الأُخرى بنجاحٍ منقطعِ النَّظيرِ حتَّى استطاعتْ أنْ تحصُلَ على مِنحةٍ لدراسةِ التنميةِ الذاتيةِ في جامعةِ بروكلينَ، كانتْ تقرأُ كلَّ مَا تقعُ عليه عينُهَا منْ الكتبِ وكانتْ تفضلُ القراءةَ في علمِ النفسِ، فطوالُ تلك السنواتُ كانتْ تبذلُ “نور” كلَّ ما لديهَا منْ جهدٍ حتَّى تصلَ إلى هدفِهَا، وفي درسٍ منْ دروسِ الموسيقى كانتْ تبحثُ المعلمةُ عن شيءٍ على الإنترنت حتَّى وقعَ نظرُهُم على صورةٍ “لنور” كانتْ قدْ أُخذِت لها وهي في المؤتمرِ الطبيِّ وتحتَها مُعلِقًا صاحبُهَا: “أبشعُ إنسانةٍ في العالم”ِ، حاولَ الجميعُ مواساتها مطالبينَ مِنها ألَّا تحزنَ مِنْ هؤلاءِ الذينَ يسرقونَ الفرحةَ من عيونِ البشرِ، أكَّدتْ لهُم أنَّها لنْ تقابلَ قسوةَ العالمِ بعد الآنَ إلا بمزيدٍ من النجاحِ والإصرارِ، وقرَّرتْ أنْ تقومَ بعملِ قناةٍ على اليوتيوب؛ لمواجهةِ التنمُّرِ بالتوازي مع دراستِهَا للتَّنميةِ الذَّاتية في بروكلين، وبالفعل سافرتْ معَ عمَّتِها، ومنْ الغريبِ أنْ العالمَ الذي يمتلئُ بقساةِ القلوبِ الذين كانوا سببًا في أذيةِ الكثيرينَ ومنهم نور، هو نفسُهُ العالمُ الذي ساندَ “نور” في مواجهةِ التنمُّرِ والمتنمرينَ، فهل هي ازدواجيةُ المعاييرَ والأخلاقِ التي أصابت المجتمعاتِ، أم إنه العالمُ كما خلقَهُ اللهُ بخيرهِ وشرهِ؟، وبسبب انتشار فيديوهاتها ذاع صيتُهَا عالميًا، وقد استضافتها المذيعة الأمريكية “أوبرا ونفيري”؛ لتهنِئتِهَا على دورِهَا في تحفيزِ الشبابِ والنَّاشئةِ في المجتمعِ، وعلى ترشيحِهَا لجائزةِ الأفضلَ هذا العامِ، وحانت لحظةُ تحقيق الحلم، حفلُ توزيعِ الجوائزِ لأفضلَ المحفزينَ والذين لهم أكبرُ تأثيرٍ في العالمِ، وجاءت لحظةُ الختامِ حين لمعتْ عيناهَا واستقرتْ الأرضُ من تحتِها مرةً أُخرى قائلةً: فلولا هذه الهزةُ القويةُ في حياتي ما كنتُ وصلتُ إلى هذا المكان، فربُّ الخيرِ لا يأتي إلا بالخيرِ، وما جعلكَ تعبرُ الظلامَ وحدكَ، إلا ليعلِّمكَ أنَّه يجبُ أنْ تحملَ النورَ في قلبِكَ، فيا أيها الإنسان، كن إنسانًا.
أنا نور عبد الرحيم الحاصلةُ على جائزةِ أفضلَ محفزٍ إيجابيًّ لهذا العام فمنْ أنتَ؟!