أكتوبر 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

ذكرى زعيم يعيش فى القلوب

بقلم دكتور : صلاح سلام

١٥ يناير ١٩١٨ مولد الزعيم عبد الناصر ذو الكاريزما الخاصة التي جعلت قلوب المصريين ومعظم العرب والأفارقة يلتفون حوله حتى أصبح أيقونة الشعوب الظامئة الى الحرية والاستقلال… وفي نفس الوقت تحتفل مصر بمرور خمسين عاما على بناء السد العالي والذي يمثل أهم إنجازات عصر عبد الناصر والذي حمى مصر من الفيضانات المدمرة والتي كانت تزيح قرى كاملة من على سطح الأرض ناهيك أنه ظل لسنوات طويلة المصدر الرئيسي للطاقة.. والذي برزت أهميته بعد شروع أثيوبيا في بناء سد النهضة .. بما تم حجزه من مياة الأمطار والتي تكفي مصر لسنوات قادمة وكأنها رسالة الله الى شعب مصر بأنه مهما تداعت عليك الأمم ستظل عين الله ترعاك..والحقيقة التي لاتقبل تأويل أن عبد الناصر يعيش في قلوب أجيال عاصرت نجاحاته واخفاقاته وتغنت باحلامه على راس بستان الإشتراكية.. فقد استطاع الرجل أن يحفر اسمه في قلوب الملايين الذين وفر لهم لقمة عيش شريفة وفرصة عمل ومكان في الجامعات مجانا..عاش بينهم رافعا شعار لاثروة تورث بلا دفع حق الدولة ولامناصب تورث ولافقر يورث أيضا أراد أن يحقق العدالة الإجتماعية على قدر ما استطاع سواء بقوانين الإصلاح الزراعي لينهي عبودية الفلاح عند رجال الإقطاع والذين كانوا يمثلون أقل من نصف في المائة من الشعب.. أو بإذابة الفوارق بين الطبقات ..الرجل الذي استطاع ان يصمد أمام الضغوط الغربية ليس بصدها فقط بل تدشين جبهة عدم الانحياز في إعلان باندونج ١٩٥٥ من تيتو وهو أحد زعماء شرق أوروبا ونهرو زعيم شبه القارة الهندية ويضم معظم دول العالم الثالث لينشئ جبهة ثالثة بين الإتحاد السوفيتي بصولجانه والولايات المتحدة بغطرستها. ..تصدى للعدوان الثلاثي بعد تأميم قناة السويس والذي شكك فيه المرجفون وقالوا أنه أخطأ في التأميم وكان يمكنه الإنتظار عشر سنوات أخرى والحقيقة أنها كانت فكرة تراود الملك نفسه ولكنه كان غير قادر على التنفيذ حتى السد العالي كان فكرة من أيام الملكية ولكن الأسرة الحاكمة لم تكن تملك حرية إتخاذ القرار فمن يقرأ التاريخ بحكمة وإنصاف سيجد ذلك في مذكرات المنصفين مثل”مذكرات د.مصطفى الحفناوي” ..ولا يستطيع اي جاحد مهما بلغ حنقه أن ينكر ان مصر بدأت معه ثورة صناعية عاشت عليها وبها مصر حتى أوائل عهد مبارك الى ان برزت فكرة تصفية القطاع العام وتخريد المصانع لبيعها لذوي المال والنفوذ… ولكن في خضم كل هذه الإنجازات في الزراعة والصناعة والتعليم والفن والسينما والمسرح وصدح أم كلثوم ياجمال يامثال الوطنية وكلمات صلاح جاهين وصورة كلنا كدة عايزين صورة لعبد الحليم وكنا هنبني وادحنا بنينا السد العالي وعودة الروح لتوفيق الحكيم والفتى مهران ..وفي عز الحلم وبينما تزدهر الثورة الثقافية ويقدم محمود مرسي فيلم شئ من الخوف ويمنع من العرض حيث يحمل بعض النقد ويراه عبد الناصر ويسمح به بمقولته لو كنت عتريس فأنا استحق هذه النهاية.. وما أن أشرأبت أعناقنا بشعار ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد العبودية.. وكان كل من يعيش في عصره يعتبر ناصر أبيه أو أخيه الأكبر فأينما وجد ترى الجماهير تزحف لاستقباله بوازع من المحبة وقدسية الإرتباط.. إلى أن حانت لحظةالمواجهة والتي تم الشحن لها على الصعيد المعنوي والفني والتكتيكي وهي حرب يونية١٩٦٧ والتي جاءت على عكس ماتوقع كل الشعب فبينما كنا نغني ياابوخالد ياحبيب الخطوة الجاية في تل ابيب..والراحل أحمد سعيد يملأ الدنيا أننا أسقطنا “كام “طائرة وأننا على مشارف تل أبيب..كنت أرى الطيران الإسرائيلي في سماء العريش ويستهدف القطار الذي كان يقل طلائع من بعض جنود الاحتياط ومن الدول الشقيقة والذي وصل الى محطة العريش ليصبح كومة من الحطام… واستيقظ العالم على هزيمة مفجعة.. وخرج عبد الناصر ليعلن مسئوليته ويتنحى عن الحكم لزكريا محي الدين …ولكن هيهات فقد خرجت الجماهير من كل حدب وصوب تقف معه وتصرخ وتبكي في كل شوارع مصر وتزحف الى منزله لتطالبه باستكمال المشوار وحكى لي سيادة الوزير محمد فايق وقد كان وقتها وزير الإرشاد القومي وقد كان شديد الشبه بزكريا محي الدين أنه كان يحاول الوصول الى الرئيس في منزله في منشية البكري وكانت الجماهير تحتشد وظنوا أنه زكريا محي الدين فاعتدوا عليه ومزقوا ملابسه ولولا الحرس انقذه من بين أيديهم ودخل للرئيس ليقول له شوف حضرتك الرئيس اللي تنازلت له على الحكم ماذا فعلت به الجماهير أظن دة أصدق رد منهم.. فابتسم الرئيس وقال حمدلله بسلامتك… وقيل وقتها وبالتحديد من جماعة الإخوان ان مظاهرات ٩ و١٠يونيو التي خرجت لتطالب الرئيس بعدم التنحي كانت بايعاذ من الإتحاد الإشتراكي وهذا مؤكد كان هراء والدليل أننا كنا في العريش تحت القصف وقد تمكنت إسرائيل من المدينة تماما ومع ذلك خرج الرجال والنساء والشباب الى الشوارع يبكون واتذكر جيدا أمي وهي تنتحب وكأن زوجها رحل اليوم وبرغم أن إخوتي من رجال القوات المسلحة ولم نطمئن عليهم بعد أهم أحياء أم أموات إلا أنه كان عبد الناصر هو الأهم فهو الأب والابن والسند هكذا قالت…ويظل الرجل امل الملايين فبرغم كلمات الابنودي الحزينة في عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضل الشجر وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر..تأتي معركة راس العش وشدوان ومعركة سلاح الجو بالمنصورة وتدمير الرصيف والمدمرة ايلات وحرب الاستنزاف وبناء حائط الصواريخ وإسقاط اسراب الفانتوم وطلب إسرائيل وقف اطلاق النار بعد أن زادت خسائرها في حرب الاستنزاف المجيدة والتي إستمرت حوالي عامين وتقدم أمريكا مبادرة روجرز للسلام لتنقذ حليفتها ونقبلها ولكن…يعود العرب إلى خلافاتهم والصراع الفلسطيني الأردني وايلول الأسود وبداية الشقاق العربي العربي ويقف البطل والزعيم لرأب الصدع في قمة عربية انتهت بالاتفاق ووقف الدم ولكن يبدو أن روحه الطاهرة لم تعد تتحمل المزيد ففاضت الى بارئها في مساء نفس اليوم وبعد وداع اخر زعيم وهو امير الكويت.. لتنعيه كل إذاعات العالم والعدو قبل الصديق واذا كانت مقولة الامام أحمد ابن حنبل في مواجهة أهل البدع”بيننا وبينكم الجنائز”كدليل على محبة الناس والتي هي من محبة الله سبحانه وتعالى فقد كانت ومازالت جنازة عبد الناصر هي اكبر جنازة في التاريخ…فسلام عليك يوم مولدك وفي ذكراك..وستظل في قلوب محبيك رغم انف الحاقدين..وكلمتي الأخيرة لأبناء هذا الجيل قد تختلفون كثيرا مع عبد الناصر وعصره وهذا أمر طبيعي فلا يمكن أن نحكم على الرجل وعصره وقد فات على وفاته نصف قرن بنفس معايير اليوم بما يحمل من أدوات ومفردات وتكنولوجيا وعلوم ومفاهيم مختلفة تماما فكل وقت وله أذان.. ولكل زمن دولة ورجال.