مارس 18, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الإرادة بين التهذيب والتربية .. كتب د.محمد الريدي

ليس يمكن أي إصلاح خلقي إلا إذا ربينا الإرادة أولاً،فإذا طالبنا شاباً أو شابةً بضبط النفس عند الغضب،أو عدم الإسراف في الملذات،أو بالشجاعة عند الجبن،أو بالعدل عند الظلم.
فلا قيمة لكل هذه النصائح ما لم تسبقها عند الشاب أو الشابة إرادة قوية رباها صاحبها؛ لينفذ بها ما اعتقد أنه حسن، ويتجنب بها ما اعتقد أنه ضار؛
فانصح ما شئت، وكرر النصح ما أردت، فليس لهذا كله قيمة إذا لم يكن المنصوح قوي الإرادة يستطيع بها أن يسيطر على نفسه.
ولكن كيف نربي إرادتنا؟
انظر إلى من يريد أن يتعلم ركوب الدراجة .
إن الشخص أول الأمر لا يستطيع ضبطها ولا يحسن السير عليها؛ فهو يتأرجح مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار، وكثيراً ما يبدأ ثم يقع،وأخيراً وبعد جهد جهيد تستقيم في يده الدراجة، ويسير بها سيراً حسناً ويعدو بها ويتجنب الأخطاء حتى ليأتي بالأعاجيب في السير بها، فماذا حدث؟
الدراجة هي الدراجة لم تتغير، وهي دائماً مطيعة خاضعة، ولكن الذي تغير هو راكبها؛فقد كان لا يحسن حركاتها، ثم أحسنها، ولا يمكنه ضبط نفسه عليها ثم ضبطها؛فالتغير إنما حدث في النفس لا في الدراجة،كذلك الشأن في كل أنواع الحياة، لابد من السيطرة أولاً على النفس ثم مواجهة الأحداث،لابد أولاً من تربية الإرادة، وبعد ذلك يمكن مواجهة المشاكل بالإرادة وحلها.
إن ضعيف الإرادة يتأرجح في أمره كما يتأرجح راكب الدراجة عند ركوبها لأول مرة،فإذا هو ربى إرادته سار سيراً متوازناً معتدلاً متجنباً الأخطاء، كما يفعل راكب الدراجة إذا اعتادها.
وكما يحتاج راكب الدراجة إلى جهد جهيد أول أمره حتى يستقيم له السير، وحتى يسير سيراً هيناً من غير بذل جهد كبير _ كذلك الشأن في تربية الإرادة
يحتاج المرء أول أمره إلى كبير جهد، وقوة وتصميم، وصحة عزم، واحتمال الشدائد، ثم تسير الأمور بعد ذلك في يسر وسهولة من غير جهد ملحوظ،
ولذلك جاء في الحديث الشريف: :”إنما الصبر عند الصدمة الأولى”.
فمن صبر على الشدة الأولى في تربية إرادته كان ما بعدها أهون.
جدير بالذكر أن التردد بفسد الإرادة،
إن الذي يفسد الإرادة أن تعزم، وتَعْدِلُ، ثم تعزم، وتعدل، فيكون شأنك شأن بَكْرةِ الخيط يلقي صاحبها عليها الخيط ثم ينقض ما لف.
وبعدما يصبر المرء على الشيء الذي يريده ويربي فيه إرادته، يصبح عادة يأتي به من غير عناء كبير؛
فالرجل الفاضل الذي اعتاد الإتيان بالأعمال الفاضلة كالرجل الشرير الذي اعتاد أن يأتي بالأعمال الشريرة، كلاهما تصدر عنه الأعمال في يسر وسهولة،
وليس من فرق بينهما إلا أن الأولَ وجه إرادته وعوَّدها أعمالاً صالحة، والثاني وجه إرادته وعوَّدها أعمالاً سيئة.
وكثير من الشباب يقع في العادات السيئة من غير تفكير وعن غير قصد، إنما هم ينساقون مع التيار،
يجدون بعض الشبان المستهترين يتجهون اتجاهاً سيئاً؛ فيسيرون في اتجاههم من غير وعي ولا تفكير ولا إعمال عقل في النتائج،
وكان يجب أن يقدروا هذا الاتجاه ويزنوا نتائجه، ثم يسلطوا إرادتهم؛ لتجنيبهم هذا الاتجاه السيئ.