بقلم الأديب المصرى
د.طارق رضوان
تحتل «كليوباترا» مكانة مميزة في الخيال الشعبي عن مصر الفرعونية. تلك المرأة القوية التي حكمت بين قبضتها أرجاء مصر، ليحكي العالم قصصها لآلاف السنوات: قصص الحب والسلطة، ويصنع عنها عددًا من الأفلام، لكن نادرًا ما يتحدث أحد عن دورها في إحدى أهم عمليات الإغتيال السياسي في مصر القديمة، تلك التي راحت ضحيتها فتاة صغيرة لم تتجاوز سنوات المراهقة، حملت اسم «أرسنوي»، فتاة قُدِّر لها أن تكون أختًا لامرأة تطمح في الانفراد بالسلطة، لتبقى منسية في التاريخ كملكة لم تجلس على عرش مصر.
من هي أرسنوي الرابعة (أخت كليوباترا)، الشقيقة أو ربما غير الشقيقة؟ وكيف لاقت مصيرها الدموي؟ عام 48 قبل الميلاد، كانت مصر واقعة تحت الحماية الرومانية آنذاك، بعد وفاة «بطليموس الثاني عشر»، ليترك الحكم شراكة بين ابنه «بطليموس الثالث عشر» وابنته كليوباترا، اللذين تزوجا، حسب التقاليد العائلية، للحفاظ على نقاء دماء العائلة.
كان بطليموس الثالث عشر قد نفى أخته كليوباترا خارج العاصمة المصرية (الإسكندرية) لينفرد بالحكم. ومع وصول حاكم روما يوليوس قيصر إلى المدينة، استطاعت الملكة، صاحبة الـ22 عامًا آنذاك، أن تعود من المنفى وتتسلل إلى القصر. حكى المؤرخ الروماني «بلوتارخس» أن كليوباترا أبحرت إلى الإسكندرية في مركب صغير، وهبطت بالقرب من القصر في أثناء غروب الشمس، واستطاعت دخول القصر دون اكتشافها، وبذلك كانت كليوباترا قد قطعت نصف الطريق إلى الرجل الوحيد الذي باستطاعته إعادة عرشها إليها، لقد وصلت بالفعل إلى سريره.
في المقابل شعر أخيها، حين رآها في سرير قيصر، بالخيانة. ليس خيانته هو فحسب، بل خيانة أخوته وخيانة مصر بأكلمها. ففي عينيه، باعت أخته نفسها لروما، وستتركه وبلدهما لدفع الثمن.
وسريعًا، حمل جنود يدينون بالولاء لأخوتها وأختها السلاح وحاصروا القصر قبل أن يحاولوا اقتحامه، لكن قيصر وجنوده أخذا الملك الصغير بطليموس الثالث عشر وأخته الصغيرة أرسنوي الرابعة كرهائن وسط الفوضى العارمة التي اجتاحت المكان، وركض يوليوس قيصر بين ردهات القصر، يجرجر إلى جانبه ملك مصر الصغير، كما وصف المؤرخ الروماني «كاسيوس ديو» تلك اللحظات: «فإن لم يكن باستطاعته رد الهجوم بالأسلحة، فعلى الأقل سيقدم للمصريين رأس ملكهم ».وسط فوضى المعركة، استطاعت الأميرة أرسنوي الهرب من القصر لتنضم إلى جيش الثوار المصريين، ومرة جديدة، عاد ليقود المصريين عضو من أسرة البطالمة.
وأمام اكتساح الجيش المصري، لم يجد قيصر روما سوى القفز في الماء للهرب بحياته، لينجو بالكاد، ويعود إلى كليوباترا في القصر. لم يستمر طويلًا هذا الوضع، وبدأ الجدل يتزايد بين الثوار، وفي الوقت ذاته استغل قيصر انشغالهم بالصراعات الداخلية ليجلب تعزيزات عسكرية من سوريا، ليشن هجمة مرتدة، لتطارد قواته الملك الصغير بطليموس الثالث عشر لينتهي به المطاف في النيل محاولًا الهرب سباحةً من مطارديه، إلا أن لباسه العسكري الثقيل أخذه إلى القاع ليغرق ويفارق الحياة، لتتخلص كليوباترا أخيرًا من أول شخص يهدد عرشها بيد قيصر روما. أما أرسنوي، فاستطاعت قوات قيصر القبض عليها. ومع انتصار حاكم الرومان، أعاد كليوباترا إلى عرش مصر، لتتزوج، حسب التقاليد، بأخيها الأصغر بطليموس الرابع عشر الذي كان في عمر الثانية عشرة من عمره.
في المقابل، حمل يوليوس قيصر أرسنوي معه إلى روما مكبلة بالسلاسل الحديدية كأسيرة. وضمن الاحتفالات كان عرض الأسرى المصريين الذين تعرضوا للأسر في الإسكندرية، وعلى رأسهم أرسنوي. رغم إعجاب الجمهور بالعرض، فإنهم لم يكونوا سعيدين برؤية أرسنوي وسط الأسرى. وعلى عكس ما أراد يوليوس قيصر، نشأ شعور بالتعاطف مع المصرية الصغيرة وسط الجماهير، شعور جعل حاكمهم يُضطر إلى تغيير خطته والتخلي عن فكرة قتلها. ليأمر القيصر بنفيها إلى مدينة أفسس التي كانت حينها إحدى أهم العواصم في العالم. كانت مدينة عظيمة، لكنها بالنسبة إلى أرسنوي لم تكن إلا سجن. كانت ستقضي حياتها الباقية داخل صرح ديني شهير، اعتُبِر لاحقًا من عجائب الدنيا السبع: معبد «آرتميس».
وعقب مقتل يوليوس قيصر بعد نفي أرسنوي بعامين، في مارس عام 44 قبل الميلاد، ومع اختفائه من الصورة، كانت الملكة المصرية على استعداد للتخلص من كل المهددين لحكمها، لتتخلص من شقيقها وزوجها بطليموس الرابع عشر في غضون أسابيع فقط عقب وفاة القيصر، وتبقى أرسنوي الوحيدة البعيدة عن متناولها، لكن ظهور «ماركو أنطونيو»، الحاكم الجديد للإمبراطورية الرومانية في الشرق، سيغير كل شيء.
بأوامر كليوباترا، جعل أنطونيو أرسنوي تُجرجَر من معبد أرتيميس، وهناك في هذا المكان المقدس، قُتلت الصغيرة.
سرعان ما وقع حاكم روماني جديد أسيرًا لسحر كليوباترا. لكن، وخلف قصة الحب الشهيرة، كان لكل منهما مصلحة يرغب في الحصول عليها من الآخر، فأنطونيو يحتاج إلى موارد مصر لتمويل حروبه وتسديد ديونه. أما كليوباترا، فكانت تبحث عن الأمان الكامل، بالتخلص من آخر من يهدد حكمها: اختها الصغيرة أرسنوي.
يشكك البعض في رواية نفي أرسنوي إلى أفسس، فبعد عفو يوليوس قيصر عنها، هربت إلى أفسس ولجأت إلى معبد آرتيميس.تعود التفاصيل المحيطة بسقوط أرسنوي في قبضة يوليوس قيصر لتختلف في رواية الكاتبة الأسكتلندية «كارين مورداراسي»، في مقالها بعنوان «من هي الأخت الصغرى لكليوباترا؟»، إذ زعمت أن «أرسنوي لم تكن محبوبة كما تمنت، وخانتها قواتها بالتفاوض مع يوليوس قيصر من أجل مبادلتها ببطليموس الثالث عشر، الذي كان لا يزال في قبضة الزعيم الروماني، إلا أن التعزيزات الرومانية وصلت في ذلك الوقت، ولم يمر وقت طويل إلا وكانت جثة بطليموس الثالث عشر تطفو على مياه النيل، وأرسنوي في قبضة روما».

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي