أبريل 28, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“متقربيش من بيت عزيزة الشايبة”

وصية زهقت من كتر ما سمعتها من جدتي، حتى بعد ما كبرت بدأت أمي تردد نفس النغمة، وكأن فجوة من فجوات الجحيم اتفتحت في بيت عزيزة الشايبة، وكأن اللي هيقرب من البيت هيقع في الهاوية وهيفقد حياته كلها..
………….
اتربيت في بلدنا على كل القصص المرعبة اللي ممكن تتخيلها، لدرجة اني كنت بستخبى كل ليلة تحت البطانية من النداهة وابو رجل مسلوخة، بس بلدنا اتميزت بحكاية مرعبة اكتر من أي بلد تانية، حكاية الشايبة، بيت عزيزة الشايبة اللي سمعنا عنه أهوال، واللي كان ممنوع منعا باتا انك تعدي من قدامه بس..
وده ببساطة لأن ألف شخص أجزم ان عزيزة كل ليلة بتحوم حولين بيتها في الضلمة عشان تصطاد أي ضحية من البشر، حكاية اتحفرت في طفولتي واتردمت لما كبرت وبقا تركيزي الأكبر في الثانوية العامة، الكابوس الأعظم لكل طالب في أم الدنيا..
دروس ومزاكرة وسهر وتعب، خوف وقلق وتوتر كل ليلة وانا عمالة افكر في الامتحانات، ومن كتر الهوس اللي عندي جتلي حالة نفسية غريبة، وكملت معايا قبل الامتحانات بشهر بدور حمى كان تقريبا هيجيب أجلي، غبت عن الدروس اسبوع كامل وانا غايبة عن الوعي، عمالة بهلوس زي اللي واخد جرعة مخدرات مكثفة، جريوا بيا على المستشفيات لحد ما ربنا قدر وصحيت منها..
وكان الرعب لما اكتشفت اني ضيعت اسبوع كامل من الدروس، وبدات رحلة الجري ورا المدرسين وزمايلي عشان اعوض كل اللي خدوه، تعبت اوي لحد ما قدرت اعوض كل ده ومبقاش باقي غير المادة الاصعب، الكيميا، اتصلت بالمدرس قالي انه عمل مراجعة امبارح على المنهج كله ولازم احضرها في مجموعة تانية..
ولما سألته عن المجموعة المتاحة ملقتش غير مجموعة ولاد الساعة ٦ بالليل، وغصب عني كان لازم احضر مهما كان، أصعب مادة وبقالي اسبوع غايبة عن الدروس، فالمراجعة دي هتعوض حاجات كتير معايا، وفعلا روحت المراجعة ليلتها وشوفت نظرات سخيفة في عيون الولاد بس تجاهلتهم طبعا، وعرفت وقتها ليه بيفصلوا الولاد عن البنات في الدروس، ببساطة عشان العيال مشافت أي رباية..
وفضلت المراجعة تقرييا شغالة لمدة تلت ساعات، وعلى الساعة ٩ بالليل خرجنا من الدرس، بعدت عن المكان كله عشان مسمعش أي كلمة سخيفة ووقفت على الكوبري، وطبعا الولاد اتصرفوا في الوقت المتأخر ده، اللي اتشعلق في عربية واللي دخل من قلب الغيطان عشان يروح، اما انا فكنت واقفة خايفة مش عارفة هتصرف ازاي، وده لأن بعد الساعة ٨ الكوبري بيفضا من العربيات خالص، وده عيب الأرياف للأسف..
فضلت واقفة خايفة لحد ما لقيت عربية نقل وقفت وسألني سواقها رايحة فين، عرفته اني عايزة انزل عند كوبري أبو المكارم، قالي اركبي هقربك منه، وركبت معاه وانا بدعي ربنا يطلع راجل كويس وميعملش فيا حاجة..
بصيت في وشه لقيته راجل بشوش جدا وكان معتبرني زي بنته بالظبط، وطلع بالعربية، اتكلم معايا شوية عن دروسي ومزاكرتي لحد ما وصلنا للكوبري اللي قبل كوبري أبو المكارم، قالي انه مش هينفع يدخل بالعربية النقل لجوة عشان مش هيعرف يرجع وان الكوبري قريب جدا، خمس دقايق مشي..
شكرته جدا ونزلت وانا بحمد ربنا اني وصلت لحد هنا بسلام، كلها عشر دقايق بس واوصل، عديت الكوبري ومشيت على طريق الترعة عشان اوصل، ووسط سرحاني والمكان كله صامت لمحت هناك على اليمين البيت، بيت الشايبة اللي ياما سمعت عنه حكايات مخيفة، واللي كان اسطورة من أساطير طفولتي..
…………
حسيت بانجذاب رهيب عشان اروح عند البيت وابص عليه، تخيلت نفسي بمر بمغامرة كبيرة وبحكي عنها على جروبات الرعب، وبدأت أعيش الخيال مع نفسي شوية لحد ما فجأة سمعت حاجة بتزوم جمب الترعة، بصيت برعب لقيته كلب اسود وشكله مخيف، حاولت أرجع بهدوء لورا بس كان بيزوم ويقرب مني اكتر واكتر..
وفي لحظة لفيت وطلعت أجري وانا في قمة رعبي، ومن ورايا سمعت صوت زمجرته وخطواته، كان قلبي بينط من مكانه وحاسة برعب رهيب، مكنتش عارفة انا بجري لفين وهو كان ورايا حاسة بيه عمال يقرب اكتر واكتر..
وفجأة وقعت في الأرض لما خبطت رجلي في حجر كبير، ولقيت الكلب بيهجم عليا، وصرخت صرخة رهيبة، بس قبل ما يعضني بلحظة لقيته رجع لورا وفضل يزوم بشراسة اكتر..
بصيت جمبي لقيت واحدة ست ماسكة حجر وعمالة تحدفه عليه، وهو كشر اكتر عن انيابه وفضل يقرب ويبعد، في النهاية أول ما ضربته بالحجر طلع يجري بعيد، قومتني بهدوء وحاولت تطمن عليا، وبالفعل قمت من مكاني وشكرتها، لقيتها بتقولي:
– تعالي يابنتي اطلعك من المكان ده
هديت شوية بعد ما كنت هموت من الرعب ومشيت معاها، في اللحظة دي لقيت نفسي قدام بيت عزيزة الشايبة، وقفت مكاني مبهورة أبص للبيت الضخم وسط الأراضي الزراعية برهبة وخوف، لقيتها بتقولي:
– فيه حاجة يا بنتي
قولتلها وانا عنيا على البيت:
– مش ده بيت عزيزة الشايبة المجنونة
لقيتها مبتردش عليا، وقفت قدام البيت شوية اتأمله وكأني نسيت نفسي قدام المبنى الرهيب ده، في اللحظة دي حسيت بحركة ورايا، بصيت لقيت الست اختفت ومبقاش ليها وجود واللي ورايا بقا راجل ضخم عنيه حمرة زي الدم وواقف يبصلي بصات جمدت الدم في عروقي..
جسمي اتشل مكانه ولساني اتحرك برعب وقلت:
– انت مين
لقيته بيقرب مني، جريت بسرعة عشان الاقي راجل تاني واقف بيسد عليا الطريق، حاولت اجري الناحية التانية عشان الاقي تالت بيسد عليا الطريق، حسيت اني هموت من الرعب، مين دول وهيقتلوني ولا ايه..
ومن ورايا لقيت باب بيت عزيزة بيتفتح على أخره، وكأنه الطريق الوحيد عشان أهرب ليه، وبدأوا يقربوا مني ويقفلوا عليا كل المخارج عشان ادخل للبيت، وعرفت اني لو دخلت البيت هموت..
وققت أبكي واترجاهم يسيبوني، حتى اني افتكرت الست اللي انقذتني من الكلب، ولقيت نفسي بقولها:
– انتي فين تعالي الحقيني
مسافة ما قلتها لقيتها ظهرت من وسط الضلمة وجريت وقفت قدامي، مبقتش فاهمة أي حاجة بتحصل، بس كل اللي عملته انها شدتني بقوة رهيبة وقدرت تضرب واحد منهم توقعه ونخرج من وسطهم، شدتني بعنف وجرينا بسرعة رهيبة، ومن ورايا شوفت نفس الرجالة بيجروا ورانا وبيتكلموا بأصوات عاملة زي القرود..
كنت حاسة اني في كابوس، اني هموت من اللي بيحصل ده، في النهاية قدرنا نهرب منهم، حضنتها عشان أبكي بس زقتني بقوة ولقيتها بتبعد عني، قربت منها تاني لقيتها بتزقني من تاني، مبقتش فاهمة هي ليه بتعمل كدا، اتكلمت وقولتلها:
– انتي بتعملي معايا كدا ليه
– امشي من هنا فورا
ولقيتها طلعت تجري، ناديت عليها وقولت:
– انتي مين طيب
لقيتها بصتلي وفجأة ابيضت عنيها خالص وقالت بصوت مخيف:
– أنا عزيزة الشايبة
مسافة ما قالتها كنت انا بجري زي الصاروخ ناحية بيتنا، وكأن شياطين الجحيم كلهم بيطاردوني، وصلت البيت عاملة زي القتيلة، واترميت في السرير يومين ولا بنطق ولا بتكلم، لحد ما جت جدتي تزورنا واللي قربت من تمانين سنة..
وقتها بس بكيت قدامها وحكيت لها كل اللي حصل بالتفصيل، لقيتها ابتسمت وقالت:
– شكرا يا غالية
بصتلها بذهول وقولتلها:
– ابوس ايدك فهميني يا جدتي
– عزيزة يا بنتي كانت صاحبتي وحبيبتي الروح بالروح، وفي مرة جاتني وقالت ان جوزها بيحفر في البيت عشان فيه شيخ قاله ان فيه مقبرة تحت البيت، كانت بتقولي انها خايفة من اللي بيحصل، بس جوزها كان موهوم بالدهب، ومستعد يضحي بالدنيا كلها عشانه، وفي ليلة سمعت بكاء طفل صغير في اوضة الحفر، اتسللت عشان تعرف جوزها والشيخ بيعملوا ايه اتفاجئت بيهم بيدبحوا طفل عشان يرضوا حارس المقبرة
وقتها صرخت بفزع وهي بتقول لجوزها، اتقي الله، اتقي الله
بس جوزها والشيخ مسكوها بدل ما تفضحهم وقتلوها فوق المقيرة وهي بتستغيث وبتتشاهد، وكانت اللعنة اللي نزلت على البيت، قرينها غضب..
والرصد غضب، واتدفن جوزها والشيخ والحفار في الحفرة، وبقت عزيزة كل ليلة تحوم حولين البيت عشان تحمي الناس من شر جوزها والشيخ اللي ماتوا، بس الناس مفهمتش ده، وافتكروا ان عزيزة هي العفريت اللي بيصطاد الناس، ميعرفوش انها اللي بتحميهم من شر قرناء القتلة اللي قتلوها، بس تقريبا هي زعلت لما قولتي عليها مجنونة، عشان كدا سابتك، ولما استعنتي بيها تاني جتلك ومتأخرتش
رددت بذهول شديد وقولت:
– وانتي عرفتي كل ده ازاي يا جدة
– عشان زارتني يا بنتي في منامي وشوفت كل حاجة بعنيا
– طيب ليه كنتي بتحذريني دايما من البيت
– عشان جوزها مش عشانها هي، هي ولا أذت حد في حياتها ولا حد بعد موتها، هو اللي طول عمره مؤذي وربنا يعامله بعدله
وقتها بس مسكت كتاب الكيمياء وبدات أحفظ من تاني وانا مبتسمة..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………..