نوفمبر 4, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

من أجل عيون مرضى الكلى – (الجزء الثانى )

كتب وليد محمد محمد صالح
مما يمكن أن تفعله الحكومات هو إنشاء بنوك الكلى , و المفترض بعد نجاح فكرة إنشاء بنوك الدم منذ عشرات السنين أن يتم إنشاء بنوك لكل الأعضاء , و أن يتم إطلاق الحملات الداعية للمرضى الموشكين على الوفاة أن يوصوا بالتبرع بأعضائهم بعد وفاتهم إلى بنوك الأعضاء , فساعتها سيجد مريض الفشل الكلوى كلية تعيد إليه صحته و عافيته مرة أخرى , و سيجد من فقد بصره قرنية أخرى تعيد إليه نور عينيه , و سيجد كل من فقد عضوا من أعضائه – أو تلف أحد أعضائه – سيجد عضوا بديلا عنه ستتم زراعته فى جسده بعملية جراحية مجانية بالكامل تتولاها مستشفيات وزارة الصحة .
و مما يمكن أيضا أن تفعله الحكومات هو استيراد الكلى الصناعية الحقيقية التى توصلت إليها أحدث الأبحاث بالخارج , الماكينة الكبيرة ذات الطول و العرض و الارتفاع يسمونها كلية صناعية و هذه مزحة ثقيلة الظل ! لكن بالخارج قد توصلوا بالفعل لكلية صناعية صغيرة الحجم يتم زرعها داخل جسم المريض و تظل معه طوال حياته , أين حكوماتنا من هذا التقدم العلمى الذى تم إحرازه لصالح مريض الكلى ؟
و أسهل من كل ذلك و أوفر على المسئولين الذين يفكرون بعقلية التجار و المقاولين هو زرع كلى الخنازير فى أجساد مرضى الكلى , و هو اتجاه سائد فى العديد من دول العالم خارجيا بعد نجاح الأبحاث التى أجريت فى هذا الصدد , لن نحتاج إلى كلية من متبرع و لا استيراد كلية صناعية مبتكرة و إنما أخذ كلية خزير و زرعها , و كما قلت فإن الأمر طبيا قد نجح فى دول أخرى سبقتنا فى هذا المضمار .
أما من الناحية الدينية الشرعية فيكاد ينعقد الإجماع على إباحة هذا النوع من العلاجات و ذلك بناء على أمرين :
الأول : أن المحرّم من الخنزير هو أكل لحمه و ليس التداوى بمشتقات جسمه .
و الأمر الثانى : هو أن الضرورات تبيح المحظورات .
و بناء عليه أجمع العلماء منذ عقود طويلة على إباحة تناول الأنسولين المأخوذ من أجسام الخنازير لعلاج مرضى السكر و هو ما يتم حاليا و منذ عقود مضت .
و لنفترض أن الحكومات قد استجابت و أطلقت حملة موسعة من أجل مرضى الكلى تستهدف عمل كل ما فى وسعها من أجل إعادة البسمة إلى شفاه مرضى الكلى , فينبغى حينئذ إحكام الرقابة على البزنس المتوقع حدوثه تماشيا مع تلك الحملة , فالعمليات إن لم تتم فى المستشفيات و بالمجان فإن المريض سيدفع عدة عشرات من ألوف الجنيهات مضطرا .
و من لا يحسن عمل الشيئ فينبغى ألا يفعله , و أذكر مثالا لذلك أن أحد مرضى وحدة الغسيل تم إجراء عملية توصيل الشريان بالوريد له ثلاث مرات , و بالرغم من بساطة العملية إلا إنها فى المرة الأولى تمت فى فاقوس و فشلت , و الثانية تمت أيضا فى فاقوس لدى طبيب آخر و فشلت , و الثالثة تمت فى الزقازيق لدى طبيب ثالث و نجحت , إذن مادام الطبيب الأول و الثانى لا يحسنان إجراء تلك العمليات فلماذا التجريب فى أجساد المرضى ؟ و لماذا يتم تقاضى أكثر من ثلاثة آلاف جنيه مرتين على عملية فاشلة لم تتم ؟
و هذا متوقع فعله إذا تم إطلاق حملة استبدال الكلى التالفة بكلى سليمة فى أجساد مرضى الكلى , أن فئة من الأطباء الذين لا يحسنون هذا النوع من الجراحات سيقومون بإجرائها بالرغم من عدم تمكنهم منها و هذا ما يجب الحذر منه .
(5)
و إلى أن يتم إطلاق تلك الحملات هناك أشياء من الممكن فعلها بدءا من يوم كتابة هذه السطور .
مثلا مريض الكلى الذى يمكث أربع ساعات فى عملية الغسيل فإنه يحتاج إلى وسائل تسلية , فالوحدة التى ليست بها تليفزيونات ينبغى على القائمين عليها توفير تلك التليفزيونات , و الوحدة التى بها التليفزيونات بالفعل ينبغى على القائمين عليها تشغيل تلك التليفزيونات من أجل تسلية المرضى و إلهائهم عن آلامهم , و إذا تعطل أحد تلك التليفزيونات فينبغى إصلاحه فورا و عدم الانتظار حتى يأتى ” البيه ” الفنّى !! و عدم تضييع الوقت فى الإجراءات الروتينية العقيمة .
و مثلا أدوية الكلى ينبغى توفيرها فى المستشفيات و بوفرة و عدم التقتير على المرضى من حيث أن من يحتاج إلى زجاجتين فيتم إعطاؤه واحدة فقط !!
و ينبغى أن يُعامل مريض الكلى ليس فقط معاملة حسنة و إنما بأحسن معاملة ممكنة , كنتُ و الله أعامل مرضى الكلى معاملة ملوك خلال شهور عملى فى تأمين وحدة الغسيل , كنت أقوم بمهام ليست من صميم عملى لكن هدفى الأسمى هو إسعادهم و رسم تعابير الرضا على وجوههم , و كنت موقنا أنهم هم أصحاب المكان الأصليون , و كل من يعمل فى هذا المكان هو خادم لهم .
و المعاملة المنشودة تكون بدءا من فرد الأمن الذى يحرس الوحدة و الذى ينبغى أن يوزع ابتساماته الصافية و كلماته المشجعة على المرضى أثناء دخولهم إلى الوحدة و أن يحفظ أسماءهم جميعا و يناديهم بها محييا لهم , و مرورا بالممرضات و الموظفين الإداريين و انتهاء بالأطباء الكبار , و هنا نسجل ملاحظة أن إثنان من مرضى الكلى هما من مدينة ” أبو كبير ” التى تبعد عن مدينة فاقوس بإثنى عشر كيلومتر يأتيان لإجراء الغسيل فى مستشفى فاقوس تاركين مستشفى ” أبو كبير ” , و لما سألت أحدهما مستغربا أجاب بأن الذين فى فاقوس محترمون .
هو قد جاء إلى فاقوس من أجل المعاملة الحسنة , و المعاملة الحسنة هى حق لكل مريض و واجب حتمى على كل ممرض و طبيب و ليست منحة .
و ليس معنى ذلك السكوت على المرافقين المشاغبين !
فكل مرضى الكلى القادمين إلى وحدة الغسيل يأتى بصحبتهم مرافقون لهم , و أكثر المرافقين متعاونون و يحترمون النظام , لكن أحيانا ما توجد بينهم قلة مشاغبة لا تحترم النظام و تجتهد لفرض نظامها الخاص على المستشفى و على المرضى و المرافقين الآخرين , و هؤلاء ينبغى التعامل معهم بحسم و إلا ستسود الفوضى و سيتضرر من أفعالهم المرضى و المرافقون الآخرون .
فالمعاملة الحسنة ليس معناها التدليل الزائد , و الأولى بها المرضى و ليس المرافقون , و تحضرنى هنا القاعدة الفلسفية الحكيمة : ” الأمر إذا ضاق اتسع و إذا اتسع ضاق ” , بمعنى لابد من ضبط الأمور لكى تظل دائما فى الوسط الذى هو فضيلة بين رذيلتى الإفراط و التفريط .
(6)
أتمنى أن أكون قد ألقيت حجرا فى مياه راكدة منذ عقود طويلة مضت , و أن تكون هذه السطور هى بداية لراحة مرضى الكلى فى طول البلاد و عرضها , و بهذا أكون قد أنجزت ما وعدت سابقا بأننى سأهدى مرضى الكلى مبتكرا ما , مثلما أهديت المريض المحتاج إلى الأكسجين الطبى مبتكرا آخر سابقا عليه حوته هو أيضا دفتا هذا الكتاب .
و حسبى دعوات الفريقين هؤلاء و هؤلاء ….