نوفمبر 4, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

مات والد الطبيب ! بقلم وليد محمد محمد صالح

بسم الله الرحمن الرحيم
فى أحد الأيام و بينما كنت أقف وحدى حارسا على إحدى البوابات الخارجية الثلاثة للمستشفى مر علىّ طبيب الأسنان الشاب الذى يرقد والده فى العناية المركزة منذ أربعة أيام , سألته :” ما أخبار الوالد ؟” , قال :” و الله لا يوجد تحسن “
قلت : ” لا يوجد أى تحسن أبدا ؟ فرد بالإيجاب و كان رده محبطا و مفاجئا أيضا .
فوجدت نفسى أقول : بعد كل الذى تم فعله ؟! فرد أيضا بالإيجاب .
و انتهى الحوار القصير على ذلك , لكن القصة فيها تفاصيل أخرى بدأت قبل هذا الحوار بأربعة أيام عندما كنت أنا أيضا – و ياللحظ ! – حارسا للعناية المركزة و ساعتها جاءوا بوالد هذا الطبيب .
و فى ثوان معدودة تجمع حول والده فريق مكون من أطباء الأسنان زملائه فى القسم و أقرانه فى السن , بالإضافة إلى أخصائى مخ و أعصاب دائما ما ينشر على السوشيال ميديا نجاحاته فى مجال الطب و التى يسبق بها حتى الذين هم أقدم منه فى التخصص و المهنة عموما , و كان معهم مدير العناية المركزة الرجل القوى الذى كنت أظنه لفرط خبرته و اقتداره و هيمنته على شتى مناحى و مواقف حياته يأمر المرض فيطيعه فيشفى المريض بإذن الله !
اتفق الفريق بعد مناقشة على خطة العلاج , و بدأت الأجهزة تتحرك من أماكنها إلى حيث يرقد المريض , و بدأ كل عنصر من عناصر الخطة العلاجية يقوم بتنفيذ ما يخصه منها .
لقد تم بذل مجهود كبير و كنت أظن أن النهاية ستكلل بأن يخرج المريض من العناية سائرا على قدميه , لكن ذلك الموقف بالذات قد علمنى أن ثمة حالات و مواقف يقف فيها الطب عاجزا مهما كان متقدما و مهما كانت وسائله و مهما فعل الأطباء .
حيث بعد مقابلتى تلك بذلك الطبيب بحوالى ساعة فقط – و أثناء خروجى من قسم الأشعة بالصدفة – إذا بأقارب الطبيب و هم يحملون جثمان والده الذى توفى بالفعل .
و بعدها بدقائق خرج الطبيب بسيارته من البوابة التى أتولى حراستها و التى قابلته عندها و دموعه تغرق وجهه .
لقد انتهى الأمر و مات أبوه .
فى تلك اللحظات تكاثرت الخواطر و الأفكار فى وجدانى مختلطة مع مشاعر حزن ملأت جوانحى و إن كان قد قلل منها أو سيطر عليها أننى قد اعتدت تلك المواقف تباعا .
فمن تلك الخواطر هى خاطرة موت الغفلة أو موت الفجأة , فالرسول عليه الصلاة و السلام قد حذّر من أن تأتينا تلك الميتة على غير استعداد لها , لكنها فى المقابل أحيانا ما تكون علامة على حسن الخاتمة .
فعندما روى ذلك الطبيب قصة سقوط والده مغشيا عليه ذكر أن الوالد كان يتجول بشكل عادى فى أرضهم الزراعية ثم فجأة و بدون أية مقدمات سقط على الأرض , ثم تجمع الذين تصادف وجودهم و رأوا المشهد من بعيد و حملوه و جاءوا به إلى المستشفى .
الرجل كان يرتدى ثوبا أنيقا أثناء جولته تلك و هو نفس الثوب الذى جيئ به فيه إلى العناية المركزة و ظل بها إلى أن مات فيه , و لم يكن يمارس يومها الأعمال المزرعية المعتادة التى تستلزم تلطيخ الثياب بالطين و نحوه كما نعلم , لكن فجأة جاءته مقدمات الموت و هو فى كامل أناقته و ظاهر صحته و بعد أن أتم رسالته نحو ولده الذى أصبح رئيسا لقسم الأسنان بالمستشفى .
الموت بهذه الطريقة هى أمنية كل إنسان حسبما أعلم , ميتة ليس فيها ألم و لا معاناة و لا إهانة و لا فقد متسلسل لنعمة الصحة و لا انتظار للموت .
و من تلك الخواطر خاطرة أسماها الدكتور مصطفى محمود فى أحد كتبه : ” صاحب الجلالة الموت ” !
الموت هو ملك منتصر دائما حتى و إن تأجل هذا الانتصار , و هى الحقيقة التى يغفل عنها غالبية الناس , خاصة أن المجتمع بأسره يحيا فى ظل جائحة مميتة و الكل فى انتظار المناداة على إسمه المدون فى كشف قد أتت به تلك الجائحة , و الكل قد أصبح فعليا فى انتظار الموت فى أية لحظة , و مع ذلك لم نر تغييرا فى سلوكيات أفراد هذا المجتمع على أساس إن الأوراق قد يتم سحبها فى أية لحظة و العيّنة بيّنة أمام كل الناس .
فأمام أعيننا قد مات والد الطبيب و لم تفلح كل الجهود الجبارة التى بذلت لهزيمة صاحب الجلالة الموت , و هو ما يذكرنا بالشعر التراثى الذى له أكثر من رواية و الذى يجسد أمثال تلك المواقف :
قل للطبيب إذا تخطفته يد الردى …. يا شافى الأمراض من أرداكا ؟!
و من تلك الخواطر التى جالت بذهنى وقتها هى خاطرة أن العمل الصالح يمتد أثره بعيدا مكانا و زمانا و أن بالفعل من يبخل به فإنما يبخل على نفسه !!
الرجل الذى مات ميتة مستريحة أنيقة قد زرع فى ابنه هذا سلوكيات و أخلاقيات يبدو أنها قد امتد أثرها و نمت فروعها و أغصانها و أنها هى التى أكسبت مغادرته للدنيا تلك السهولة و الأناقة .
فكاتب هذه السطور لم يكن يعرف ذلك الطبيب منذ البداية إلا من سؤالى له فى إحدى المرات عن إسمه لكى أقوم بتسجيل سيارته فى قاعدة بيانات أنشأتها لتنظيم عملى و أدائه بشكل أفضل .
و بعد أيام طلبت منه كتابة علاج لى من خرّاج مؤلم باللثة كى أصرفه مجانا من صيدلية المستشفى , فقام بسخاء بكتابة العديد من الأدوية التى يبتغى منها أن تأتى بأثر سريع و فى نفس الوقت سيتبقى من كميتها الكبيرة ما قد أستعمله لاحقا فى حالة الاحتياج إليه , و بعد كتابة الأدوية على الروشتة ربت على كتفى ربتة حانية .
أذكر أننى أثناء عملى فى إحدى الشركات كنت دائما أقول إن الابتسامة التى تعلو وجه المحاسب و هو يسلمنا الرواتب هى بالنسبة لى أهم من الراتب نفسه ! و كذلك كانت تل الربتة الحانية و الابتسامة الهادئة .
الموقف فيه رسالة موجهة إلى الأطباء الصغار الذين يضعون أول أقدامهم على الطريق أن التواضع هو ألصق و أليق الأخلاق بالأطباء , و أن فرد العضلات ليس مكانه على البسطاء , خاصة أن العام الذى قضيته بالمستشفى قد تعددت فيه المواقف غير الظريفة مع الأطباء الصغار الذين يصغروننى بنحو عشرين عام مثلا و هو ما ينذر بتحول ما فيما اعتاده الناس من أخلاقيات تلك الفئة المتوسم فيه الرقى خلقا و عملا , و هذا خاص بالأطباء الصغار الذكور فقط , أما الطبيبات الإناث فشيئ آخر و شأن آخر.
و من تلك الخواطر هى خاطرة تحول ما بعد الصدمة .
فقد ذهبنا إلى القرية التى هى مسقط رأس ذلك الطبيب و والده من أجل تقديم واجب العزاء , و ساعتها وجدناه متماسكا بل و مبتسما و قد أحسن استقبالنا و الاهتمام بنا و كأنه لا يوجد مصاب أليم حاليا .
الصدمة هى فقط فى بدايتها ثم يصير كل شيئ معتادا .
و هو ما أشار إليه الرسول عليه الصلاة و السلام عندما قال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى .
و هو ما يتماشى معه قول القائل : إنما النصر صبر ساعة – أى أول ساعة .
حتى فى الاستحمام بالمياه الباردة إنما البرودة فى أول ” لسعة ” ثم يصير الماء البارد منعشا !
و هو ما يطمئن الخائفين من أى شيئ لم يحدث بعد و يخشون حدوثه , فإنما الألم هو ألم استقبال الصدمة أو الكارثة ثم يصير كل شيئ رتيبا غير مؤلم و لا مؤثّر .