نوفمبر 2, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

قصة قصيرة.. رائحة الألم البعيد

 بقلم د.محمد عبد العزيز

“شريف” أب وزوج وطبيب نفسي ناجح توقف فجأة عن نشاطه المعتاد وعن الاستمتاع بالحياة وهذا التوقف ليس وليد اللحظة لقد عافر كثيرا قبل أن يتوقف تماما عن كل أوجه نشاطه وروتينه اليومي في العمل والأسرة بعد زيادة حدة الألم الجسدي والنفسي ومنذ اللحظة الأولى لتوقفه عن الاستمتاع بالحياة منذ ٩ سنوات وهو يعافر ليمنع هذا التوقف التام . ذهب شريف لوالده وهو طبيب جراح وتحدث إليه شريف فسأله والده : ما هو الألم من وجهة نظرك ؟

فقال شريف : الألم لا يمكن وصفه على أنه الاحساس الجسدي والنفسي بالوجع أو أعراض مرضية أخرى نتيجة الوجع ، الألم هو عدم الراحة حتى لو لم يكن هناك وجعا هنا لم يعجب الأب كلام ابنه وقال الأب : الألم لابد أن يكون من خلال الوجع وليس مجرد الشعور بعدم الراحة هل يترك الرجل عمله وزوجته وأبنائه لمجرد الشعور بعدم الراحة فلم يريد شريف أن يصطدم مع والده في الحوار فانسحب في هدوء . وذهب شريف لصديقه الصدوق وكان طبيبا نفسيا مثل شريف وأخبره صديقه : أنه لا يمكن اعتبار الألم ألما الا إذا منع الإنسان من روتينه اليومي ونشاطه المعتاد وفي حالة شريف بعد توقفه عن كل شيء أصبح هناك ألما لا يستطيع أن ينكره أهل الطب النفسي وهنا أيضا أعترض شريف لتقييم الألم من خلال التوقف فقط عن النشاط والروتين اليومي لأن شريف وهو طبيب نفسي ظل يقاوم طوال ٩ سنوات كان يقاوم وهو يشعر بالألم حتى لم يعد يستطع تحمل هذا الألم . اعتزل شريف الجميع وظل يحاول التقييم من خلال الطب النفسي فكرة الألم وأنواعه ودرجاته حتى خرج من عزلته بنظرية رائحة الألم البعيد واعتبر أن الألم نوعان قريب وبعيد ، قريب نتعايش معه لفترات طويلة فهو قريب منا في كل لحظة وبعيد يتراكم علينا مع مرور الزمن بالإضافة إلى شرارة قديمة تولد الألم منها ومن خلال عامل محفز وقد يكون عامل بسيط هو طول فترة التعايش مع الألم ذاتها ومحاولة احتواء الشرارة الأولى فإن رائحة تلك الشرارة وتراكم الألم البعيد يشكلوا لحظة إنفجار تجعل الإنسان يتوقف فجأة عن نشاطه المعتاد من وجهة نظر من حوله لكنه في الحقيقة توقف عن الثقة في من حوله وفي الاشياء حتى المحببة منها وتوقف عن الاستمتاع بالحياة منذ زمن بعيد لكنه أراد ألا يكون سببا في أي ضرر لمن حوله حتى توقف عن هذه الرؤية رغما عنه فلم يعد لديه القدرة على التحمل كما لم يعد لديه القدرة على أي شيء وقرر شريف كتابة هذه الفكرة في شكل رواية ليعترف فيها كطبيب نفسي أن المرض النفسي يهاجم أي إنسان مهما كانت قوته وعلمه وتدينه وأنه لابد من فهم طبيعة النفس الإنسانية وطبيعة المرض النفسي فالمرض النفسي ليس عقليا ولا ذهنيا المرض النفسي رهافة حس وسمو روح وتضحية وتحمل تدفع الكثيرين للانفجار بعد الصدمات المتكررة من متبلدي الاحساس وعديمي الضمير وكان شريف ينظر إلى أن الحل الوحيد بعد تكرار الأذى من نفس الشخص يكون من خلال الابتعاد عنه فورا وعدم التمادي أو التورط معه في أي شيء منعا لتراكم الألم وحتى لا يصبح الألم بعيدا وذو رائحة ويعترف شريف بأن مجتمعنا الشرقي يصعب فيه اعتزال الناس بسهولة سواء قبل الوصول إلى مرحلة الألم البعيد أو بعد مرحلة الألم البعيد وينصح شريف في روايته بضرورة تغيير الثقافة الحالية إلى ثقافة تقدر الحياة لتمنع التسمم النفسي لشديدي الحساسية ممن حولهم وفي حال وقوع هذا التسمم يجب أن يكون المجتمع متقبلا لفكرة الاعتزال فاعتزال ما يؤذينا هو أمر لا مفر منه مهما طال الزمن ومهما كانت العقبات ونالت رواية شريف الجائزة الأولى في الأدب وخرج من عزلته للعمل بعد انفصاله عن زوجته بشكل يحفظ ما تبقى من حياتهما وحياة أبنائهما.