بالطبع كلنا نعرف فيلم ”أفواه وأرانب”الذى ضم نخبة من ألمع النجوم، مما جعله من أنجح وأجمل الأفلام الخالدة في ذاكرتنا حتى اليوم، ومهما شاهدناه لا نمل منه، لأنه من نوعية الأفلام الاجتماعية المناسبة للكبار والصغار، ولأحتواء الفيلم على مواقف إنسانية ورومانسية وكوميدية وتراجيدية، فنجد أنفسنا أمام توليفة عبقرية جعلته يصل إلى حد التكامل الفني.
والأجمل أن بطلة الفيلم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة كانت دقيقة فى كل تفصيلة في الفيلم من ملابس وطريقه الكلام وتعبيرات الوجه، ليس فيما يخصها فقط، بل فيما يخص أيضا من يشاركها العمل، حتى وصل الفيلم إلى مستوى من الإبداع بشهادة الفنان محمود ياسين فى مجلة الشبكة.
وكما يقول الفيلسوف كونت دى بوفو:’ ‘نقائص العظماء..عزاء التافهين” نجد أن هناك من يتصيد الأخطاء ليعطي نفسه الفرصه في أظهار موهبته كناقد فني، من خلال التركيز على صورة دعائية لبطلي الفيلم، يجلسان فيها على انتريه، وتتخذ ”نعمت” وضعية معينة بحيث تلف ساقا وراء ساق، ليبني على أساسها وجهة نظره الفردية ليعممها، بحجة أنها جلسة ”اتيكيت” وأنها أغفلت تفصيلة أظهرتها كهانم وليست فلاحة فقيرة بسيطة!
ولهذا وجب توضيح بعض الأمور التى غفل عنها هذا المكتشف العبقري، والذي تصور فجأة بعد كل هذه السنوات أن هناك خطأ جسيم فى المشهد..دون حتى أن يكلف نفسه عناء مشاهدة الفيلم والتركيز على المشهد محل النقد.

أولا: هذه الصورة التي يستدل عليها بوجود خطأ، لم تظهر في المشهد بهذا الشكل، وذلك ببساطة لأن هذه الصورة مجرد صورة دعائية تم إلتقاطها خصيصا من الكواليس كأفيش للفيلم.
ومن شاهد الفيلم فعلا ،سيلاحظ اختلاف التفاصيل بين الصوره التى كانت للدعايه و بين المشهد الذى تم تصويره .
ففي بداية المشهد كانت ”نعمت” تجلس ورجلها مضمومة بجانب بعضها، ثم بدأت الكاميرا تقترب أكثر من وجه البطلين، فأصبح التركيز فقط على وجه فاتن حمامة ومحمود ياسين، ولم تكن أرجلهم ظاهرة بالكامل، عكس صورة الأفيش.
في المشهد عندما قام محمود بك بمحاولة تقبيل يد نعمت، كان يقبل يدها اليسرى ،فقامت بمسك يده تمنعه لتقول له ”استغفر الله العظيم يا بيه” لكن في الصورة الدعائية للفيلم كان محمود ياسين يقبل يد فاتن حمامة اليمنى !، بالإضافة أن فاتن كانت واضعة يدها على صدرها، وهذا ما لم نراه فى المشهد أصلا..ولن يعرف هذه التفاصيل إلا من دقق في هذا المشهد جيدا.
وهذا الكلام سيعرفه جيدا من يقتني مجلات فنية قديمة، لوجود صور كثيرة لفنانين من كواليس الأفلام ، أخذت منها مشاهد معينة للدعاية للفيلم ..مختلفة تماما عن تفاصيل المشهد نفسه والأمثلة كثيرة !
ثانيا: هذا يؤكد بما لا يدع مجال للشك..أن من نشر هذه الصورة وبنى على أساسها حكمه وتقييمه، فهو لم يشاهد الفيلم ولم يركز في المشهد من الأساس! وهذا أنا أعتبره نوع من الاستسهال أو الفذلكة أو الاستخفاف بعقول المتابعين، بحجة أنه وجد ”التايهة”.
فليس من المعقول أن تغفل السيدة فاتن حمامة عن أبسط الأمور وهي المعروف عنها الدقة في كل شيئ، لدرجه أنها نصحت الفنانة رجاء حسين بأن تقلل من ماكياجها وتغير جلابيتها حتى تقنع المشاهد أنها سيدة فقيرة صاحبة عيال! وهو ما أشادت به الفنانة رجاء حسين وعملت به.
ثالثا: فيلم أفواه وأرانب كان له أفيشين، الأفيش الأول تتصدره صورة الفنانة فاتن حمامة بملابس الفلاحة الفقيرة وعلى رأسها طرحة، والأفيش الثاني فيه صورتها مع محمود ياسين بفستان وتسريحة على الموضة وبهذه الوضعية في الجلوس، وهذا كان مقصودا كنوع من تشويق الجمهور لمعرفة التغيرات والتطورات التي ستمر بها بطلة الفيلم، وحتى يعرف من يرى الأفيشين أن هناك تغييرًا جذريًا سوف يحدث فى حياة نعمت !
وأخيرًا و ليس آخرا تظل شخصية نعمت من أجمل وأروع الشخصيات التي قدمتها فاتن حمامة ..وأشاد بها النقاد.. فشخصية نعمت هى رمزا للمرأه المكافحة الصبورة المتدينة المخلصة في عملها و الباره بأهلها ..كما لا نستطيع أن نغفل إبداع السيدة فاتن حمامة وأنغماسها وذوبانها فى الشخصية لدرجة لا نشعر معها أنها تمثل.. وهذا ما يسميه النقاد ”التقمص”.
فهى افضل فنانه اجادت دور الفلاحه على الشاشه بشهاده كبار النقاد المحليين و العالميين ..خصوصا ان هناك مشهد لا يمكن اغفاله فى هذا الفيلم العبقرى ،حين قام محمود بك بعزومه نعمت فى مطعم راقى ..فقامت نعمت بمسك الشوكه بشكل غير صحيح يعبر عن فطرتها البدائيه كفلاحه رغم ارتداءها لفستان شيك و تسريحه مودرن.. و هذه تفصيله تدل على اتقان البطله للشخصيه التى تقدمها .
والجدير بالذكر أن الفنانة الراحلة فاتن حمامة حصلت نظير قيامها بـ فيلم “أفواه وأرانب” على تكريم من الرئيس الراحل محمد أنور السادات .. بسبب ما أحدثه من صدى كبير في الشارع المصري.. حيث ظل يُعرض فى السينما لمدة 19 أسبوعا متصلة.. حيث قال الزعيم الراحل محمد أنور السادات لفاتن حمامة: “أنتي عملتي دعاية بمليون جنيه بفيلمك لموضوع الزيادة السكانية”.
والعجيب في هذا الفيلم أنه كل مرة نشاهده فيها كأننا نشاهده لأول مرة .. ولا نمل منه أبدًا.
بقلم ليلى المصري

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي