أبريل 21, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

هناء حسن مصطفى… امرأةٌ تحوّلت إلى ملاذٍ للقلوب المنكسرة وأيقونة للرحمة في جنوب الصعيد

 

بقلم محمد حسن

في أقصى جنوب مصر، حيث يختلط دفء النيل بخشونة الحياة، وتلتقي الطيبة الفطرية بالاحتياج القاسي، بزغ نجم امرأة لم تحمل لقب مسؤول، ولم تعتد الجلوس خلف مكاتب فارهة. بل اختارت أن تكون هي اليد الحانية، والكتف الذي يُسند، والصوت الذي يُسمع. إنها هناء حسن مصطفى… السيدة التي أعادت تعريف معنى “الخدمة” في مدينة إدفو.

ولدت هناء في بيئة بسيطة، لكنّ قلبها كان مُثقلًا بمشاعر الرحمة والانتماء لوجع الناس. لم تُغْرِها المناصب، ولا تغنّت يومًا بعدد شهاداتها أو سنوات خدمتها في الدواوين الحكومية. بل تخلّت طوعًا عن كل ما يُسمّى “استقرارًا وظيفيًّا”، لتبدأ رحلتها الحقيقية مع الإنسان… كل إنسان يحتاج سندًا، لا أكثر.

حين أسّست مؤسسة “فرحة اليتامى”، لم يكن في يدها سوى نيةٍ خالصة، وبعض من أمل، والكثير من الإيمان بأن ما يُبنى بالصدق يدوم. ومنذ اللحظة الأولى، كانت المؤسسة انعكاسًا لصاحبتها: حاضرة، نشطة، واقعية، لا تلهث خلف الإعلام، ولا تتزين بالشعارات. مؤسسة تحيا في الشارع، وتتنفس وجع الناس، وتنتصر لمعنى واحد: “الستر”.

اليوم، وبعد أكثر من عقدين من العمل، باتت “فرحة اليتامى” واحدة من أنشط المؤسسات في الجنوب، تقدّم كل أشكال الدعم: قوافل طبية، مساعدات نقدية، حملات حج وعمرة، مشاريع تنموية للأسر، وفعاليات إنسانية لا تنقطع. وكل ذلك يتم بإدارة سيدةٍ واحدة، لم تتعلّم الإدارة في كلياتها، لكنها تدرّبت على يد الحياة، وعلى صوت الأرملة، ودمعة اليتيم، وشكوى المريض.

هناء لا تعرف الطرق المختصرة، ولا تجيد تسويق الذات. هي هناك، في كل بيت مكسور، في كل ملف عاجل، في كل قصة يُخشى أن تُنسى. تعمل في صمتٍ يشبه الدعاء، وتحارب خذلان الإمكانيات بإرادةٍ لا تهدأ.

وحين تسألها عن أصعب لحظاتها، لا تتحدث عن مشروعات توقفت، أو دعم لم يصل. بل عن وجوهٍ احتاجت يدها ولم تستطع الوصول إليها. عن صمتٍ يُثقِل قلبها أكثر من أي صخب.

في عام 2023، رآها الناس كما هي: رمز خيريّ نقي، يستحق التكريم. واليوم، في 2025، تستمر بنفس الروح، لكن بإصرار أعمق، ووعي أشمل، وثقة راسخة أن العطاء الحقيقي لا يحتاج تصفيقًا، بل يحتاج صدقًا.

هناء حسن مصطفى ليست قصة نجاح تقليدية. هي مرآةٌ لوجدان الجنوب، وورقة بيضاء في كتاب الإنسانية، تكتب فوقها كل يوم درسًا جديدًا في المعنى، والبذل، والسكينة.

هي سيدة لم تبحث عن الضوء، لكنها أصبحت نورًا لغيرها. لم تطلب الشهرة، لكنها صنعت لنفسها خلودًا من الدعاء.