بسم الله الرحمن الرحيم
منذ عدة أيام كنت فى زيارة لصديق , و الذى أجلسنى فوق سطح عمارتهم لدقائق حتى يقوم بإعداد الشاى و يأتينى به , و أثناء تلك المدة اقتربت منى بطة داجنة هم يربونها و من النوع المسكوفى , و ” المسكوفى ” و ليس ” المستكوفى ” كما ننطقه بإضافة تاء هو إسم منسوب إلى ” موسكو” عاصمة روسيا و الاتحاد السوفييتى سابقا , أى أننا أمام كائن كاد أن يحمل جواز سفر دبلوماسى بصفته ممثلا لبلاده هنا !!
و أثناء الدقائق القليلة التى مكثتها تلك البطة بجوارى تتابعت الأفكار التى نقلتها إليكم فى السطور التالية .
(2)
فى عام 93 و عندما كنت فى الصف الثانى الثانوى كنت قد قرأت فى مكتبة المدرسة عدة أعداد من السلسلة التثقيفية ” كل شيئ عن ” , كانت سلسلة كتب خفيفة و كل كتاب منها يحمل تعريفا لشيئ ما بشيئ من التفصيل , و الكتاب الذى يعنينا هنا هو ” كل شيئ عن الثعابين ” , و الذى أفرد مؤلفه فى نهاية الكتاب فصلا بعنوان : الثعبان كحيوان أليف , أو صيغة أخرى بنفس المعنى الذى يصب فى خانة أن تربية ثعبان كحيوان أليف هو شيئ ممكن و منطقى , المهم هى معرفة الطريقة الصحيحة لذلك خاصة أن أكثر من 90 % من ثعابين البيئة المصرية غير سامة و هى أشبه بديدان كبيرة منها بثعابين , و هو ما وثّقه الفن منذ ثلاثين عاما عبر أحد أقوى المشاهد الكوميدية ربما فى تاريخ الدراما المصرية و العربية من خلال الفنان أحمد بدير و مسلسله : مطلوب عروسة , و ذلك على الرغم من قصر مدة المشهد .
فالثعبان الذى ظهر معه فى ذلك المشهد كان فى نفس المسلسل يُستخدم كحيوان أليف .
و لما ظهرت أمامى البطة المسكوفية صاحبة فكرة هذا المقال تذكرت فكرة الثعبان كحيوان أليف , و وجدت أن تلك البطة – و كل بطة – هى أولى بكثير من الثعبان و من غيره أن تُربى فى البيوت كحيوان أليف .
فالبط ليس كالقطط التى تحمل فى أجسامها طفيل التوكسوبلازما و الذى يُسقط الحوامل من البشر .
و البط ليس بنجاسة أو بقذارة الكلاب و لا يترك المخلفات النجسة التى تتركها الكلاب , بل إن مخلفات البط تنطبق عليها القاعدة الفقهية :” ما يؤكل لحمه فبوله و روثه طاهر ” , أى أن مخلفات البط إذا لوثت ثيابنا فوضوؤنا لم ينتقض لأن مخلفات البط و كل ما يؤكل لحمه طاهرة .
و قد يقول قائل : إن الكلاب تستخدم للحراسة , فهل البط يستخدم للحراسة ؟
و الإجابة عن هذا السؤال تستلزم سؤالا آخر حول ماهية الحراسة , فإن كانت الحراسة فى نظر البعض هى تمزيق كل من يحاول الاقتراب فالبط لا يصلح لهذه المهمة , أما إن كانت الحراسة هى اليقظة لكل محاولة اقتراب من أى غريب و إصدار صيحات التحذير منه فقد نجح البط فى هذه المهمة نجاحا سجله له التاريخ القديم , حيث كان قد أنقذ مدينة كاملة من هجوم الأعداء ليلا بفضل صيحاته التى أيقظت أهل المدينة من نومهم و نبهتهم إلى ما يراد بهم .
و ما الذى يمنع تربية الكلاب و فى نفس الوقت تربية البط ؟
على الأقل سوف تنتهى تربية البطة بوليمة دسمة متميزة بينما لن تنتهى تربية الكلب بنفس النتيجة .
(3)
و أنا أحدق فى تلك البطة التى ذكرتها آنفا رأيت كم الهندسة الموجودة فى بنائها , جسم البطة كله هندسة تشير إلى عظمة خالقها سبحانه , و فى أعمالى المرئية التى ناقشت فيها أفكار الملحدين كثيرا ما قلت إن الكون عمل هندسى و لابد له من مهندس قد قام بهندسته , و لا يُعقل أبدا أن كل هذه الهندسة الموجودة بالكون قد جاءت من تلقاء نفسها .
فلأن البطة هى طائر مائى أى التعامل مع الماء سباحة أو غطسا أو استحماما أو صيدا هو نمط حياة بالنسبة لها , فجسمها أشبه بقارب صغير عريض حتى يضمن اتساع عرضه قدرا كبيرا من إزاحة الماء له إلى أعلى مما يضمن بقاء هذا الجسم طافيا فوق المياه و عدم غرقه , كما أنها توجد تحت جلد البطة طبقة سميكة من الدهون التى كثافتها أقل من كثافة الماء فتضمن هى أيضا بقاء جسم البطة طافيا فوق الماء , و كمية الدهون تلك من الممكن الاستفادة منها بالنسبة للنحيفات عبر تناولها من أجل الوصول لقوام ملائم بدلا من الحقن بالسليكون فى مناطق معينة من الجسم , و كمية الريش الذى يكسو جسم البطة كبيرة بحيث هى أيضا تضمن طفو البطة فوق الماء خاصة أن الريش مجوف من الداخل و كثافته قليلة , و كل ذلك مع وجود قدمين عريضتين تعملان كمجدافين .
و هذا القارب الصغير عندما يكون فوق اليابسة يقف أو يتحرك على قدمين تتوسطانه بدقة بالغة كى لا يميل إلى الأمام أو الخلف أو اليمين أو اليسار , و نفس القدمين اللتين كانتا مجدافين فى المياه هما أيضا وسادتان لثبات ذلك البناء الهندسى فوق اليابسة .
(4)
عندما نتكلم فى جمال خصال البط لابد أن نذكر أولا ما قاله المفكر المصرى الكبير الدكتور نظمى لوقا فى كتابه ” التقاء المسيحية و الإسلام ” حسبما أذكر , فقد تكلم فى أن البشر يشبهون الحيوانات فى خصال معينة , فهناك الإنسان النحلة أى النشيط , و هناك الإنسان البغل أى البالغ القوة و الحيوية , و هناك الإنسان الصقر أى المقدام القناص , و هناك الإنسان الأسد أى الشجاع , و هكذا فى سائر خصال الحيوانات .
و قياسا على هذا المبدأ فهناك الإنسان البطة سواء أكان ذكرا أم أنثى .
فالإنسان البطة يتسم بإخلاصه كأنثى البط التى لا تعرف فى حياتها كلها إلا ذكرا واحدا فقط , و إذا مات فإنها لا تتزاوج من بعده مع غيره , و لذلك فإن البط من حيث الميول الجنسية هو أقرب إلى البشر , حيث إن الاقتران الجنسى فى سائر الحيوانات إلا القليل منها هو ” تزاوج ” , أى اقتران بين ذكر و أنثى بغرض بقاء النوع , ثم فى الموسم التالى يقترن نفس الذكر بأنثى أخرى و تقترن الأنثى بذكر آخر و هكذا فيما يعرف بالتزاوج , بينما فى البط الأمر شبيه بالبشر فى أنه زواج لا تزاوج .
و الإنسان البطة يموت واقفا و لا يعيش جاثيا على ركبتيه , و لننظر إلى وقوف البطة فى شموخ بعد ذبحها و كأن شيئا لم يحدث , و هو ما تصفه ربات البيوت بأن البط روحه طويلة , فبعد ذبح البطة تقف لفترة ساكنة متحملة للألم و متمسكة بالحياة و متحدية ما حدث لها , و لا تفعل تلك ” الفضائح ” التى يفعلها الدجاج !
و مجتمع البط مجتمع كله سلام , لا تقاتل فيه على الغذاء أو الماء أو المكان أو الإناث !
و لأن كل بطة هى كتلة من الجمال لمن يحسن النظر فى الجمال , فقد جعل ” والت ديزنى ” و من جاءوا بعده البط من أبطال رواياته المصورة للأطفال , فشخصية ” مسروج ” أو ” عم دهب ” هى بطة ! و شخصية ” دونالد دك ” أو بطوط هى بطة ! و أبناء أخيه الأربعة كلهم بط صغير , و من الشخصيات الاعتبارية فى مجلات ميكى هى مدينة البط !
و قد أسند القائمون على كرتون ” توم وجيرى ” أدوارا للبط فى العديد من أعمالهم .
و كل فتاة أو إمرأة إسمها فاطمة يناديها الناس : ” بطة ” ! و لا أعلم لذلك سببا !
(5)
بعد كل ما قلناه عن البط هل آن للناس أن يتخذ كل منهم بطة كحيوان أليف بدلا من تلك المصائب التى يربونها فى البيوت ؟!
و ..
ألم يكن أحرى بمؤلفى كتاب ” معلم القراءة ” وقت أن كنا صغارا , و الذين أفردوا موضوعا للتغزل فى القطة قالوا فى مطلعه :
قطتى صغيرة ….. و إسمها نميرة !
و قد غناها الفنان محمد صبحى فى أحد مشاهد مسلسله ” رحلة المليون ” .
ألم يكن أحرى بهم أن يستبدلوا القطة بالبطة و يقولون :
بطتى كبيرة ….. و إسمها مشيرة ؟!

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي