أبريل 19, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

بطة لكل مواطن ! بقلم وليد صالح

 

بسم الله الرحمن الرحيم
منذ عدة أيام كنت فى زيارة لصديق , و الذى أجلسنى فوق سطح عمارتهم لدقائق حتى يقوم بإعداد الشاى و يأتينى به , و أثناء تلك المدة اقتربت منى بطة داجنة هم يربونها و من النوع المسكوفى , و ” المسكوفى ” و ليس ” المستكوفى ” كما ننطقه بإضافة تاء هو إسم منسوب إلى ” موسكو” عاصمة روسيا و الاتحاد السوفييتى سابقا , أى أننا أمام كائن كاد أن يحمل جواز سفر دبلوماسى بصفته ممثلا لبلاده هنا !!
و أثناء الدقائق القليلة التى مكثتها تلك البطة بجوارى تتابعت الأفكار التى نقلتها إليكم فى السطور التالية .
(2)
فى عام 93 و عندما كنت فى الصف الثانى الثانوى كنت قد قرأت فى مكتبة المدرسة عدة أعداد من السلسلة التثقيفية ” كل شيئ عن ” , كانت سلسلة كتب خفيفة و كل كتاب منها يحمل تعريفا لشيئ ما بشيئ من التفصيل , و الكتاب الذى يعنينا هنا هو ” كل شيئ عن الثعابين ” , و الذى أفرد مؤلفه فى نهاية الكتاب فصلا بعنوان : الثعبان كحيوان أليف , أو صيغة أخرى بنفس المعنى الذى يصب فى خانة أن تربية ثعبان كحيوان أليف هو شيئ ممكن و منطقى , المهم هى معرفة الطريقة الصحيحة لذلك خاصة أن أكثر من 90 % من ثعابين البيئة المصرية غير سامة و هى أشبه بديدان كبيرة منها بثعابين , و هو ما وثّقه الفن منذ ثلاثين عاما عبر أحد أقوى المشاهد الكوميدية ربما فى تاريخ الدراما المصرية و العربية من خلال الفنان أحمد بدير و مسلسله : مطلوب عروسة , و ذلك على الرغم من قصر مدة المشهد .
فالثعبان الذى ظهر معه فى ذلك المشهد كان فى نفس المسلسل يُستخدم كحيوان أليف .
و لما ظهرت أمامى البطة المسكوفية صاحبة فكرة هذا المقال تذكرت فكرة الثعبان كحيوان أليف , و وجدت أن تلك البطة – و كل بطة – هى أولى بكثير من الثعبان و من غيره أن تُربى فى البيوت كحيوان أليف .


فالبط ليس كالقطط التى تحمل فى أجسامها طفيل التوكسوبلازما و الذى يُسقط الحوامل من البشر .
و البط ليس بنجاسة أو بقذارة الكلاب و لا يترك المخلفات النجسة التى تتركها الكلاب , بل إن مخلفات البط تنطبق عليها القاعدة الفقهية :” ما يؤكل لحمه فبوله و روثه طاهر ” , أى أن مخلفات البط إذا لوثت ثيابنا فوضوؤنا لم ينتقض لأن مخلفات البط و كل ما يؤكل لحمه طاهرة .
و قد يقول قائل : إن الكلاب تستخدم للحراسة , فهل البط يستخدم للحراسة ؟
و الإجابة عن هذا السؤال تستلزم سؤالا آخر حول ماهية الحراسة , فإن كانت الحراسة فى نظر البعض هى تمزيق كل من يحاول الاقتراب فالبط لا يصلح لهذه المهمة , أما إن كانت الحراسة هى اليقظة لكل محاولة اقتراب من أى غريب و إصدار صيحات التحذير منه فقد نجح البط فى هذه المهمة نجاحا سجله له التاريخ القديم , حيث كان قد أنقذ مدينة كاملة من هجوم الأعداء ليلا بفضل صيحاته التى أيقظت أهل المدينة من نومهم و نبهتهم إلى ما يراد بهم .


و ما الذى يمنع تربية الكلاب و فى نفس الوقت تربية البط ؟
على الأقل سوف تنتهى تربية البطة بوليمة دسمة متميزة بينما لن تنتهى تربية الكلب بنفس النتيجة .


(3)
و أنا أحدق فى تلك البطة التى ذكرتها آنفا رأيت كم الهندسة الموجودة فى بنائها , جسم البطة كله هندسة تشير إلى عظمة خالقها سبحانه , و فى أعمالى المرئية التى ناقشت فيها أفكار الملحدين كثيرا ما قلت إن الكون عمل هندسى و لابد له من مهندس قد قام بهندسته , و لا يُعقل أبدا أن كل هذه الهندسة الموجودة بالكون قد جاءت من تلقاء نفسها .
فلأن البطة هى طائر مائى أى التعامل مع الماء سباحة أو غطسا أو استحماما أو صيدا هو نمط حياة بالنسبة لها , فجسمها أشبه بقارب صغير عريض حتى يضمن اتساع عرضه قدرا كبيرا من إزاحة الماء له إلى أعلى مما يضمن بقاء هذا الجسم طافيا فوق المياه و عدم غرقه , كما أنها توجد تحت جلد البطة طبقة سميكة من الدهون التى كثافتها أقل من كثافة الماء فتضمن هى أيضا بقاء جسم البطة طافيا فوق الماء , و كمية الدهون تلك من الممكن الاستفادة منها بالنسبة للنحيفات عبر تناولها من أجل الوصول لقوام ملائم بدلا من الحقن بالسليكون فى مناطق معينة من الجسم , و كمية الريش الذى يكسو جسم البطة كبيرة بحيث هى أيضا تضمن طفو البطة فوق الماء خاصة أن الريش مجوف من الداخل و كثافته قليلة , و كل ذلك مع وجود قدمين عريضتين تعملان كمجدافين .


و هذا القارب الصغير عندما يكون فوق اليابسة يقف أو يتحرك على قدمين تتوسطانه بدقة بالغة كى لا يميل إلى الأمام أو الخلف أو اليمين أو اليسار , و نفس القدمين اللتين كانتا مجدافين فى المياه هما أيضا وسادتان لثبات ذلك البناء الهندسى فوق اليابسة .


(4)
عندما نتكلم فى جمال خصال البط لابد أن نذكر أولا ما قاله المفكر المصرى الكبير الدكتور نظمى لوقا فى كتابه ” التقاء المسيحية و الإسلام ” حسبما أذكر , فقد تكلم فى أن البشر يشبهون الحيوانات فى خصال معينة , فهناك الإنسان النحلة أى النشيط , و هناك الإنسان البغل أى البالغ القوة و الحيوية , و هناك الإنسان الصقر أى المقدام القناص , و هناك الإنسان الأسد أى الشجاع , و هكذا فى سائر خصال الحيوانات .
و قياسا على هذا المبدأ فهناك الإنسان البطة سواء أكان ذكرا أم أنثى .


فالإنسان البطة يتسم بإخلاصه كأنثى البط التى لا تعرف فى حياتها كلها إلا ذكرا واحدا فقط , و إذا مات فإنها لا تتزاوج من بعده مع غيره , و لذلك فإن البط من حيث الميول الجنسية هو أقرب إلى البشر , حيث إن الاقتران الجنسى فى سائر الحيوانات إلا القليل منها هو ” تزاوج ” , أى اقتران بين ذكر و أنثى بغرض بقاء النوع , ثم فى الموسم التالى يقترن نفس الذكر بأنثى أخرى و تقترن الأنثى بذكر آخر و هكذا فيما يعرف بالتزاوج , بينما فى البط الأمر شبيه بالبشر فى أنه زواج لا تزاوج .


و الإنسان البطة يموت واقفا و لا يعيش جاثيا على ركبتيه , و لننظر إلى وقوف البطة فى شموخ بعد ذبحها و كأن شيئا لم يحدث , و هو ما تصفه ربات البيوت بأن البط روحه طويلة , فبعد ذبح البطة تقف لفترة ساكنة متحملة للألم و متمسكة بالحياة و متحدية ما حدث لها , و لا تفعل تلك ” الفضائح ” التى يفعلها الدجاج !
و مجتمع البط مجتمع كله سلام , لا تقاتل فيه على الغذاء أو الماء أو المكان أو الإناث !
و لأن كل بطة هى كتلة من الجمال لمن يحسن النظر فى الجمال , فقد جعل ” والت ديزنى ” و من جاءوا بعده البط من أبطال رواياته المصورة للأطفال , فشخصية ” مسروج ” أو ” عم دهب ” هى بطة ! و شخصية ” دونالد دك ” أو بطوط هى بطة ! و أبناء أخيه الأربعة كلهم بط صغير , و من الشخصيات الاعتبارية فى مجلات ميكى هى مدينة البط !
و قد أسند القائمون على كرتون ” توم وجيرى ” أدوارا للبط فى العديد من أعمالهم .
و كل فتاة أو إمرأة إسمها فاطمة يناديها الناس : ” بطة ” ! و لا أعلم لذلك سببا !


(5)
بعد كل ما قلناه عن البط هل آن للناس أن يتخذ كل منهم بطة كحيوان أليف بدلا من تلك المصائب التى يربونها فى البيوت ؟!
و ..
ألم يكن أحرى بمؤلفى كتاب ” معلم القراءة ” وقت أن كنا صغارا , و الذين أفردوا موضوعا للتغزل فى القطة قالوا فى مطلعه :
قطتى صغيرة ….. و إسمها نميرة !
و قد غناها الفنان محمد صبحى فى أحد مشاهد مسلسله ” رحلة المليون ” .
ألم يكن أحرى بهم أن يستبدلوا القطة بالبطة و يقولون :
بطتى كبيرة ….. و إسمها مشيرة ؟!