أبريل 17, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

سجن الروح .. بقلم ريهام المكاوي

 

إن سجن الروح هو ليس ذلك السجن ذو القضبان الحديدية والأسوار العالية ، إنما هو ذلك السجن الذي يضع الإنسان نفسه فيه بإرادته الحرة واختياره الواعي ، هو سجن العقل والأفكار التي تتدفق داخل عقل الإنسان ويسير أسير لها وتفصله عن عالمه الحقيقي، وقد يظل فيها لسنوات وسنوات وهناك من ينعم الله عليه فيفيق إلي نفسه منها ويحاول تحرير روحه بحثا عن الحرية ،وهناك من يظل عبدا لها وتقيد روحه بأغلال من حديد ، يكاد يشعر معها بإلاختناق ولكنه لا يفهم سبب ذلك الشعور ولا يتراجع ، إنه سجن الملذات والشهوات والأهواء والأفكار المغلوطة والافاق الضيقة التي تجعل الإنسان عبد لها وهو لا يجب ان يكون عبدا سوي لله عزوجل فقط ، ويدفعه ذلك السجن إلي وضع أهداف وهمية والسير وراءها وجعلها محور حياته لسنوات وسنوات وهو لا يدري أنه بذلك يتسبب في تعاسته وتدمير حياته الحقيقية بيده ، هو سجن البحث عن السعادة الزائفة والأمال السرابية ، إنني لا أتحدث عن الأفكار الإبداعية أو العقل الواعي التي تدفع الإنسان إلي الإبتكار والتقدم ، ولكنه سجن الأفكار الذي ينحدر به إلي حافة الهاوية وهو لايدري إلي أين تقوده قدماه وبأي مصير يحكم علي نفسه حينما يضع نفسه أسيرا لهذا السجن ، فتصرخ روحه مطالبة بالحرية من فكاك هذا الأسر الأسود ، ولكنه لا يرحمها ولا يستمع إلي صوت الضمير فيه ، لأنه يحقق ملذات وقتية وسعادة زائفة ، ولكنها ملذات وسعادة يدفع ثمنها باهظا من نزيف روحه وظلام قلبه وثقل صدره ، فلا يجد السلام والأمان والفطرة السوية التي خلق الله بها الإنسان ولكنه يشوهها بأفعاله الحمقاء ، ويسير في الحياة جثة هامدة بلا روح ويحسب أنه علي قيد الحياة ، أين تلك الحياة ؟ وأين حرية روحك ؟ ..إنها حياة بائسة وروح ترزخ وتأن تحت وطأة الشهوات والأهواء ، هناك ضباب كثيف يحيط بالعقل وغشاوة عظيمة تغلف القلب فمتنعهما من إبصار النور والجمال والحق ، لحظة مشئومة يلغي فيها الإنسان عقله ويسير وراء أهوائه فيدفع ذلك الثمن باهظا ، من خسارة عمره وسلامة روحه ونقاء قلبه ، ثم يكرر نفس العملية مرارا وتكرارا وإن قام بتغيير بعض السيناريوهات حتي يبرر لنفسه أنه لا يكرر نفس الخطأ مرتين ، ولكن عقله الباطن يخدعه في ذلك فيوحي له أنه علي صواب وانه لا يرتكب اثما او معصية او حتي قرار خاطيء أو تحيز ظالم، إنه نوع من الإدمان الذي يتكرر مع الإنسان ، فكم منا أسير لذلك النوع من السجن مع إختلاف الأسباب والدوافع التي قام من خلالها بتقييد روحه ووضعها أسيرة في سجن تلك الأفكار والأفعال وينتظر تغيير الظروف والأقدار والعالم الخارجي من حوله حتي يتحرر ويصير سعيدا، وعندما تنقشع تلك الغشاوات يدرك الطامة الكبري وهو أنه من يسلسل نفسه بنفسه بسلاسل وأطواق من نار، فوالله لو إنفصل عن تلك النفس والروح قليلا وشاهدها من بعيد وكأنه يشاهد فيلم سينمائي لتعجب كيف فعل ذلك بها ؟ وأن ألد اعدائه كان ليكون أكثر رحمة بنفسه منه بها ، إن سبب عذاب الإنسان الأكبر ليست الظروف الخارجية او الفقر او المرض او الحاجة فكم من فقير وكم من مريض ولكن مرضه ليس في روحه ولذلك هو أسعد إنسان ويسير منشرح الصدر مبتسم الوجه دائما ، وكم من غني وكم من صحيح وكم من عظيم مريض الروح ويشعر دائما بثقل يجثم علي صدره وجبال تحيط بقلبه من الضلالات والأهواء فيسير منقبض الصدر وكالح الوجه ،إنه العذاب الداخلي بسبب تلك الأفكار المظلمة التي تغرق الإنسان في بحر اليأس والأحزان ،سمعت مرارا وتكرارا تلك الأغنيات التي لها طابع حزين والتي تشتكي سوء الأقدار وعذاب الأفكار وأن الفكر هو سبب عذاب تلك الأشعار ، نعم انه الفكر الذي يسلسل الروح بقيود من حديد ويدفع الإنسان إلي أفعال تزيد من عذاب هذه الروح وكتابة أقدار تعيسة ،فإنك بأفعالك في الأرض تقوم بكتابة قدرك في السماء ،إنني لا أقصد من ذلك إشاعة التشاؤم أو اليأس أو الإحباط ولكن الإشارة إلي أن الغالبية العظمي من مشاكلنا ليست خارجنا ولكنها داخلنا ولكننا لا ندرك ذلك فنسير في الحياة متخبطين تائهين ، والسؤال الأن كيف لذلك الإنسان الذي غرق في نهر الأفكار ولا يزال يغرق كل يوم ، أن يحرر تلك الروح وأن يعيد اليها السلام والأمان ؟ ، فالسعيد هو من سيتحرر من ذلك السجن وإن كان في أشد المعتقلات تعذيبا وأكثرها حراسة ، هو من سيحاول كسر تلك الأفكار والسيطرة عليها وملك نفسه حتي لا تملكه نفسه ، لذلك كان شعار جمعية المدمنين في الولايات المتحدة (اللهم امنحني الشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع بل يجب علي تغييرها والسكينة لتقبل الأشياء التي لا يمكنني تغييرها والحكمة لإدراك الفرق بينهما ).