أبريل 19, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

شقيقتي .. قصة قصيرة.. للشاعر محمد الشريف

وماذا بعد يا نجم ؟! ، إلي متي ستظل قابعا في سريرك أراك هكذا منذ عدة سنوات ، فقدت شهيتي في الطعام والشراب كل الطعام واحد الشهي مثل غير الشهي الحلو مر والمر علقم ، والماء ملح إجاج حتي لو كان من النيل أو الفرات ، فهناك شيءٌ بداخلي لا يمر عليه الطعام والشراب إلا مرَّره وصار كئيبا حامضا لا يستساغ .
لذلك لم أعد أشتهي الطعام ولا الشراب ،أضطر لأكل بعض كسرات الخبز لأشرب بعدها المياه لعلي أظل علي قيد الحياة، أشعر بوحدة سحيقة مقيتة ، تعاستي في أن يكون حولي بعض البشر فهم يسببون لي الكآبة والضجيج والضجر ،لو اضطررت إلي النزول لأداء عملي الروتيني المقيت ،صار أقصي هَمي هو أن أعود إلي غرفتي ثم أرتمي علي سريري ،وأعاني من آلام أحد جنبَيَّ وأهيم في سكون رهيب وأنسي أن أبدل النوم علي جنبي الآخر كي أريح شِقِّيَ المسكين ،لا يروق لي من الحياة إلا منظر الغروب فعندما أنظر إلي الشمس وهي تأوي إلي فراشها وتسيل الدموع من عيونها -لأنها تكره النوم – فتفيض علي الدنيا بعقيقٍ يصبغ الكون حمرةً فتثير الشجون ، والنفس تستريح لذلك المشهد الرهيب المهيب .
أنا موقن بأن هناك رفيقا لي في هذا الكون وفي مكانٍ ما يحمل نفس مشاعر الحزن التي تسري وتدب دبيبا كنيران تحرق روحي التعيسة ،يريدني كما أريده يبحث عني كما أبحثُ عنه.
لا أدري ما الذي يدفعني إلي السير بعد أن تُلقي السحب همومها وتنفس عما تحمل بأن تبكي ، فتتساقط دموعها علي الدنيا فتستحيلُ ماءا يغسلُ الدنيا ، ترقُّ روحي لمنظر الشجر الذي تطهر من رؤية البشر ، كما أنَّ الدنيا تعود نقيةً طاهرة بعد المطر كما كانت في بداية الأمر عندما ألقي الله كلمته كُن فكان الوجود .
أشعر بشيء ما في السماء يراقبني ، ولا أدري لماذا أصعد إلي سطح منزلي كي أري المصابيح المعلقة في السماء والتي تُدعى النجوم ، تجذبني لدرجة أنِّي أحيانا أشعر بأن روحي تريد أن تتركني وتفرُّ ولا أدري إلي مَنْ ولكني أعرف الاتجاه الذي تريد أن تهرب إليه وهو السماء .
الفشل الفشل في كل شيء يحاصرني ، في عملي وفي بيتي ومع أولادي ،أنا فاشلٌ مقيتٌ أشعرُ بأنَّني أقلُ وأضألُ إنساناً في الوجود .
وأخيرا فقدت شهيتي في الحياة ، أرغب في الموت ، يا الله لو أنك لا تُعاقبُ من يقتل نفسه بالجحيم ، لتخلصتُ منها .
نعم نعم أريدُ أن أُنهي كآبتي وحُزنِي ، أريد أن أفارقَ فشلي وخيبةَ أَملِي ، صار حلمي الأعظمِ أن أنام ثُمَّ لا أصحو .
مضى زمنٌ طويلٌ ولا زلتُ في سريري الذي أشعرُ بأنه يفيض كآبةً ويبكي كمدا ويتمني لو أنه اختفى من الوجود كي لا أصبُّ عليه مزيدا من الكآبةِ والحزنِ ، أو أختفي كي لا يراني ، فلقد أصبحتُ أثير إشمئزازه.
أحيانا أظل بلا نوم لعدة أيامِ وإن نمت كمدا أشعر بروحي تطوف وتحلق في أرجاء الكون تبحث عن شيء ما ، يبحث عني أيضا ، كما حدث أول الأمر لأبينا آدم عندما ظل عشرات السنين يبحث عن شقيقتِه وقرة عينة ونور قلبه وفلذة كبده حواء ، هناك شيءٌ كان يعلو صدري ويحمي قلبي من الصدمات لا أجده ،هي هي شقيقتي وحبيبتي ، ولكن أنى لي أن أجدها ؟! .
هل هي زميلة عمل أم تقطن في الحي الذي أقطن فيه ،أم هي في غياهبِ الأرض ، لا لا هي في السماء تنتظرني بين النجوم ، ولماذا إذن أظل سابحا في النجوم أرقبها كل ليلة ؟! ،ولما عشقي لليل ؟! ، لا أستطيع النوم لأن حبيبتي ساهرة تبحث عني ،وليس من المروءة أن أدعها تبحث عني وأنا نائمٌ هنا وبلا حراك .
الليلة النوم يصارعني قبل الفجر بساعتين ، سأقاوم فلا أريد أن أفقد أجمل ساعات الليل التي أحبها ففيها يلقي بكنوزه وتنفك ألغازه ويخلع اليوم لباسه القاتم الأسود الداكن ،والذي يزينه ذلك الوشاحُ الأسوُد المحلي باللؤلؤِ الوهاجِ ، يخلعه ويرتدي البياض ،ما هذا أنام وأنا جالس كيف أنا ؟!كلَّا كلّا كلَّا.
ما هذا المكان ؟! كيف ومتى أتيت إلي هنا ؟! ، ما كلُّ هذه النجوم ؟! أنمت أم مت ؟! ، لا أدري ولكن علي أي حالٍ ،ما أجمل تلك النجوم وما أبهاها !، أنا أحلق ثمَّ أحلِّق كيف تحررت من صومعتي وأتيت إلي هنا ؟! وإلي أين أنا ذاهب ٌ؟! ، فمنذ زمنٍ سحيقٍ وأنا أسبحُ في الفضاءِ ولا أدري إلي أين أنا ذاهب؟ ولكنني أعتقد أن شيئا جميلا بداخلي يوجهني نحو نجم ما .
أري نورا يتلألأ في الأفق ما هذا ؟! ، بل من هذة ؟! ، إنها امرأةٌ ماذا تصنع هنا وكيف أتت ؟! ، ما أجملها وأرقها وأجمل طلتها ! ، أهي حورية وأنا ذاهبٌ إلي الجنة ؟! ، لقد اقتربت منها ، إنها تناديني.
هي : حبيبي أخيرا أتيت يا شقيقي وحبيبي ونور قلبي وبلسم روحي وتاج رأسي ،أخيرا أتيت يا شقيق ! ، لطالما بحثت عنك ولطالما فتشت عنك في كل مكانٍ ولم أيأس أبدا ، كنت أعلم أنك ستأتي في يومٍ من الأيام ،كنت موقنة أنني سألقاك يا حبيبي ، يا روحي غرِّدي فلقد جاء الحبيب .
أنا :يا لأبراج الكون ويا لكواكب الأكوان السبعة ويا لملكوت الخالق ويا لدرة الأفلاك ! .
تورَّدي وأورِدي وتفتحي وأبشري يا حبيبتي فأنت جميلة الجميلات وفاتنة الفاتنات أنت شقيقتي التي أبحث عنها ،كم أحب الوقت الذي اجتمعت بك فيه أنت الطمأنينة أنت أنشودة الحياة وزهرة الخلود أنت النسيم الخالص أنت إبداع الإله ،أخيرا قَرَّت نفسي أخيرا وجدت حبيبتي ، أخيرا يا روحي المعذبة ستقرين وتهدأين وتهنأين ويصير لك أملٌ في الحياة .
حبيبتي لا مانع لدي أن أقضي أيام عمري كلها معك بلا انقطاع إشراقات وجهك العذب فملامحك هادئة مثل مصباحٍ خافتٍ هائجٍ مثل الذاكرة وفائض بالفتنة مثل شجرة الخلود وصفائك العذب الرقراق الذي استمد نقاءه من ينابيع أنهارالجنة.
نعم نعم أستحق أن أحلق في الخلود نعم أيقنت أن لي نفسا عظيمة وروحا ندية بهية خالدة لا ترضي إلا بالتألق والخلود .
أخيرا وجدت حبيبتي أخيرا سأضع يدي في يدها كي نطير إلي أقصي مكان في الكون ، أنا أستحقُّ ما قدرته لي السماء من سعادة لأنني غير مؤهل لتحمل تلك الهموم التي كادت أن تفترسني من جميع الجهات ، ربما أكون قد خلقت لأنال هذة السعادة مع شقيقة روحي وحبيبة قلبي التي أرسلها لي الله .
يا الله وجودها مطمئن حتي لو كان بيني وبينها مدن وناس وصمت ، بمجرد سماع صوتها ورؤية حسنها والغرق في بحور عينيها والتعطر من ندى شذاها ، الآن أشعر وكأن الصلح قد تَمَّ بيني وبين الحياةِ ، اللهم اجعلْ لي بقيةً في عمري لأكمله معها .