فبراير 15, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

كبسولة في الإدارة:- أهم السياسات المقترحة لإنقاذ الإقتصادات من الآثار السلبية لجائحة كورونا وسبل خفض عجز الموازنة

بقلم الأستاذ الدكتور جمال شحاتة
عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة
لاحظنا جميعا في الآونة الأخيرة إرتفاع معدلات الإصابة بكوفيد-19 وفي جميع أنحاء العالم خاصة مع انتشار الموجة الثانية من جائحة كورونا. وهذا للأسف يخلق للحكومات كافة حول العالم مجموعة من التحديات متمثلة في الحفاظ علي معدلات آمنة للتوظيف و حماية الوظائف والسيطرة علي النشاط الاقتصادي، في ذات الوقت دعم الجهود المستمرة في مكافحة الفيروس وتوفير الرعاية الصحية للجميع.
وتشير الدراسات المالية إلي ان هذه التحديات ستزيد من عجز الموازنات الحكومية في كثير من بلدان العالم وليس مصر فقط. والبعض يقدر أن هذا العجز قد يصل لمستويات متقاربة مع فترة الحرب العالمية الثانية والتي تعد الأسوء في المائة عام الماضية.
عزيزى القاريء، في مقالة اليوم سنحدد عدد من السياسات والإجراءات المالية التي يمكن أن تركز عليها البلدان لتخفيف هذه الأثار السلبية وبطريقة علمية تخضع للتقييم المستمر.
في العديد من الدول الغربية، ترتفع معدلات الإصابة بـ COVID-19 مرة أخرى بشكل خارج عن السيطرة مع حالة التباطىء الواضحة في توفير لقاحات الوقاية بسب ضعف القدرات الإنتاجية في تلبية الطلب المحتمل منها. و بالنسبة لبعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا، فإن الموجة الثانية من الوباء موجودة بالفعل وبشكل واضح للعيان. بل يذهب بعض العلماء إلي القول أننا قد نشهد طفرة أخرى من هذا الوباء في العام الحالي 2021. والسبب هو اننا لا نعرف يقينا مدى فعالية اللقاحات المبكرة والتي طرحت للعلاج، وفي ظل سياسة البدءالتدريجى في برامج التطعيم حول العالم.
ونرى هنا فإن إحدى القضايا الرئيسية للحكومات تكمن في مدى تمتعها بقوة النيران المالية لحماية الوظائف والنشاط الاقتصادي. في العديد من بلدان العالم المتقدم كالممملكة المتحدة وفرنسا مثلا، ترتب علي التدابير المتخذة في فترات الربيع والصيف الماضيين في 2020م والتي اعتمدتها الحكومات بغرض حماية الأعمال والوظائف الى زيادة عجز الموازنة. ففي المملكة المتحدة فقط زاد عجز الموازنة بمقدار 192 مليار جنيه إسترليني، مما ترتب عليه زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 85.4٪ في عام 2019 إلى 106.4٪ بحلول مارس 2021.
هذه هي أعلى مستويات للديون الحكومية منذ أوائل الستينيات، بل تعتبر مستويات قياسية لعجز الموازنات في وقت السلم. ومع ذلك، يتوقع أن تؤدي الموجة الثانية من COVID-19 إلى إجهاد الاستجابة المالية أكثر بكثير. ومن المتوقع أن أي خطط مستقبلية لدعم الوظائف والتدابير الأخرى لمساعدة الشركات التي تعاني من قيود مالية وقدرة علي الإستمرار ستكلف الإقتصاديات وموازنات الحكومات بصفة عامة مليارات أخرى من العجز في موازناتها.
ولتصور سيناريو محتمل عن هذا الوضع الذي قد يتجه إليه هذا العجز في دول العالم، ففي حالة المملكة المتحدة كمثال، صمم معهد الدراسات المالية في يونيو نموذجًا لسيناريو كانت فيه موجة ثانية من COVID-19 في الربع الأخير من عام 2020 وعمليات إغلاق إقليمية مستهدفة في النصف الأول من عام 2021 و توقع هذا السيناريو أن ينتج عن ذلك عجز في الموازنة يزيد عن 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام – بما يعادل مستويات الحرب العالمية الثانية – ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 120٪ بحلول 2024-2025م.
والسؤال إذا كان هذا هو نوع الموقف الذي قد تواجهه العديد من البلدان الآن، فما هي الخيارات المفتوحة للحكومات، وما هي المؤشرات الرئيسية التي ينبغي عليها التركيز عليها؟
نقترح هنا ثلاثة ركائز اساسية علي المخطط الإقتصادي أخذها في الحسبان:-
1. يجب التركيز علي النمو الإقتصادى أولا و السياسة المالية السليمة تأتي في المرتبة الثانية
يجب على الحكومات إعطاء الأولوية لاستئناف النمو الاقتصادي اعتبارًا من عام 2021 فصاعدًا. ببساطة، سيتطلب ذلك منهم أن ييسروا رفع الضرائب أو خفض الإنفاق بسرعة لتحقيق الاستقرار في مستوى الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وسيكون التصحيح المالي المطلوب لتحقيق الاستقرار في المالية العامة أقل إذا أمكن هندسة انتعاش أسرع.
يجب على الحكومات التركيز على الاستثمارات العامة، ولا سيما تلك التي تهدف إلى تعزيز الإنفاق على البحث والتطوير ونمو الإنتاجية. وقد أوصى العديد من المراقبين بأن تضع الحكومات الأموال في تخضير الاقتصاد أو مايسمى بالإقتصاد الأخضر. لن يؤدي ذلك إلى تحفيز النمو في القطاعات في المستقبل فحسب بل سيساعد أيضًا في معالجة أزمة المناخ والحفاظ علي البيئة.
وفي مصر ورغم تفشِّى جائحةِ فيروس كورونا وتداعياتِهَا الخطيرةِ التِى طالَتْ العالمَ بأسرِهِ، مِمَّا كانَ له بالغُ الأثرِ على جميعِ نواحِى الحياةِ، جاءت التقاريرُ والمؤشراتُ الدوليةُ، التِى تمتلِكُ قدرًا كبيرًا مِن الحياديةِ والموضوعيةِ جاءت لتُشيدَ بقُدرةِ الاقتصادِ المصريِّ وبصُمودِه أمامَ التداعياتِ التِى ارتبطتْ بجائحةِ كورونا، وتضعَ مصرَ فى مكانتِهَا المستحقةِ، وصُنِّفتْ مصرُ ضِمنَ أكثرِ الدولِ مُرونةً فى التعاملِ معَ تلك الجائحةِ فى إفريقيا والشرقِ الأوسطِ .
لقد تحقق معدل نمو إيجابى رغم تحديات الجائحة، حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى 3.6%، خلال العام المالى 2019 /2020، رغم تباطؤ العديد من الأنشطة بفعل تأثير الأزمة، مثل: السياحة، والصناعة، وتجارة الجملة والتجزئة.
كما أن تقديرات المؤسسات الدولية عكست صلابة الاقتصاد المصري، حيث توقع البنك الدولى تعافى نمو الاقتصاد المصرى إلى مستويات ما قبل أزمة جائحة “كورونا” وتحقيقه معدلاً يصل إلى 5.8% فى العام المالى 2020 / 2021 .
وأشاد صندوق النقد بما تحقق فى خفض معدلات الدين للناتج المحلى من ١٠٨٪ فى العام المالى ٢٠١٦ / ٢٠١٧، إلى ٨٨٪ بنهاية يونيه ٢٠٢٠، وتحقيق فائض أولى ١,٨٪ العام المالى الماضي، بينما تضاعفت فى الدول الناشئة الأخرى وغيرها معدلات الدين والعجز، وجاء نموها بالسالب.
2. العمل علي بناء الثقة في الإقتصاد الوطنى
يجب علي كل حكومة أن يكون لديها إستراتيجية واضحة لاستعادة الثقة الاقتصادية، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثقة الناس في كيفية إدارة الوباء وتداعياته الاقتصادية. حتى قبل أن تترسخ الموجة الثانية، كان من الواضح أن التعافي الاقتصادي كان يتباطأ خلال الصيف في العديد من الاقتصادات المتقدمة.
أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شهر سبتمبر 2020 أن بيانات شركة جوجل Google المتعلقة بأنشطة التسوق والأنشطة الترفيهية للأشخاص (كبديل لما يستهلكونه من الأنشطة التجارية الاجتماعية) لم تعد إلى مستويات ما قبل الجائحة. كما أن مستوي الطلب في معظم الاقتصادات المتقدمة (باستثناء الصين) لم تتعاف تمامًا أيضًا.
بات من الواضح أن ثقة المستهلك والأعمال لا يمكن أن تتعافى بالكامل حتى تبدأ حالة عدم اليقين بشأن مدة الوباء في التراجع. هذا هو أحد أهم الأسباب التي دفعت عددًا من الاقتصاديين إلى حث دول مثل المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو أسبانيا، حيث كانت الضربة الاقتصادية أسوأ، على التركيز على حماية التوظيف. بل دعى البعض إلي انه ربما كان من المفترض أن يمتد مخطط الإجازات داخل هذه الدول إلى فترة الموجة الثانية، ويبدو أن التوسع الأخير لخطة دعم الوظائف قد يشكل تراجعا أو انعطافًا جزئيًا.
3. علي الحكومات الاستمرار في عمليات الاختبار والتتبع لحالة الإصابة بالوباء وبصورة مستمرة
في ظل حالة عدم التأكد الشديدة لايجب مقايضة الصحة بالاقتصاد. ففى البلدان التي كان أداؤها أفضل في الحفاظ على معدلات الإصابة منخفضة، كان أداءها جيدًا أيضًا في الحد من الركود الاقتصادي.
قد يكون بعض من هذا النجاح في ظل الجائحة مرتبط لدرجة ما بالحظ، أو أن العمل المبكر في إغلاق السفر سريعًا في أوائل عام 2020. لكن دولًا مثل فنلندا وألمانيا لديها أيضًا قدرة قوية على الاختبار والتعقب وسرعان ما طورتها بشكل أكبر في حماية مواطنيها من اثار الوباء. حتى في هذه المرحلة، تحتاج دول كثيرة إلى النظر في إمكانية تحسين الاختبار والتتبع بسرعة، حتى على حساب زيادة الاستثمار. فالصحة تعلو الاقتصاد.
4. علي الحكومات تقديم مزيد من الدعم للفئات المستهدفة لتلافي الأثار السلبية النتجة عن الأزمة.
مع بدء التعافي في التعزيز خلال عام 2021 ، سيكون اللغز الرئيسي بالنسبة لواضعي السياسات هو ما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية لتحفيز الطلب الكلي في الاقتصاد، مثل استخدام التخفيضات الضريبية، أو تدابير دعم أكثر استهدافًا لقطاعات معينة أو أجزاء من القوة العاملة.
لقد قيل مؤخرًا أن الانتعاش بعد الموجة الثانية قد يكون على شكل حرف W ككل، ولكنه على شكل حرف K للقطاعات الفردية. بعبارة أخرى ، بينما تزدهر قطاعات مثل البيع بالتجزئة والتكنولوجيا / البرمجيات عبر الإنترنت، فإن قطاعات أخرى مثل البيع بالتجزئة والسفر والضيافة ستستغرق وقتًا طويلاً للتعافي.
قد يحتاج دعم الأعمال إلى التحول إلى نهج أكثر قطاعية أو دعم للقطاعات بشكل متنوع. لقد فعلت بعض الدول مثلا القليل هنا من خلال تشجيع مواطنيها علي “تناول الطعام بالخارج للمساعدة” أو طرح منح شهرية صغيرة للشركات في قطاعات مثل الضيافة والترفيه.
وبالمثل، سيتعين على الحكومات تركيز دعمها على أولئك الموجودين في سوق العمل والذين ستكون “الآثار االمخيفة” للبطالة أكثر خطورة بالنسبة لهم. على سبيل المثال ، ستؤثر الأزمة بشكل خاص على فرص العمل للشباب الذين تعطل انتقالهم من التعليم إلى العمل. في مرحلة التعافي، يجب بالتالي تحويل الدعم إلى خلق فرص العمل – على سبيل المثال ، عن طريق خفض مساهمات التأمين أو الضرائب لأصحاب العمل الذين يخلقون وظائف جديدة.
نحن ندخل مرحلة محورية في معركتنا ضد COVID-19. في حين أنه لا يوجد إنكار للتحديات المقبلة، فنحن أيضًا أفضل استعدادًا وأكثر دراية مما كنا عليه في مارس 2020م. ولذا يجب على صانعي السياسات استخدام هذا لصالحهم وصياغة استجابة اقتصادية شاملة وبدرجة عالية من الذكاء على قدم المساواة. وبات علي كل دولة التعامل بصورة أكثر مهنية في خفض عجز الموازنة في ظل هذا الوضع العالمي الذي يشوبه درجة عالية من عدم التأكد والتخبط الإقتصادي. وهنا سنعرض الخيارات المتاحة التي تستهدف خفض عجز الموازنة.
والسؤال الأن ما هي السياسات المقترحة لتخفيض عجز الموازنات الحكومية؟
وفقا لبيانات وزارة المالية بمصر، يبلغ العجز الكلي 2.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية الحالية 2020-2021 مقابل 3.1 بالمئة قبل عام. ويبلغ الفائض الأولي في الأشهر الأربعة الأولى من 2020-2021 5.5 مليار جنيه، مقابل 12 مليار جنيه قبل عام. والفائض الأولي يعني أن إيرادات الدولة تغطي مصروفاتها دون احتساب فوائد الدين.
وبلغ العجز الكلي في موازنة مصر 7.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2019-2020 مقارنة مع 8.2 بالمئة في السنة المالية 2018-2019. وكانت مصر تتوقع عجزا قدره 7.2 بالمئة في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو، وذلك قبل أن تضرب جائحة فيروس كورونا الاقتصاد الوطنى بشدة. ويتوقع أن ينخفض العجز في الموازنة العامة إلى 7.5 بالمئة في العام المالي 2020-2021، من 7.8 بالمئة في العام المالي السابق وفائضا أوليا عند 0.5 بالمئة.
ورغم تداعيات الأزمة ووفقا لبيانات وزارة المالية، فإن إجمالي الإيرادات ارتفع بنسبة 18.4 بالمائة لتسجل 204.7 مليار جنيه مقابل 172.9 مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام المالي السابق له.
كما أن الإيرادات الضريبية زادت بنسبة 14.1 بالمائة لتحقق 150 مليار جنيه مقابل 131.5 مليار جنيه، فيما ارتفعت الإيرادات غير الضريبية بنحو 13.2 مليار جنيه لتحقق 54.6 مليار جنيه خلال 3 أشهر مقارنة مع 41.4 مليار جنيه.
و أن إجمالي المصروفات ارتفعت بنسبة 11 بالمائة ليصل إلى 336.8 مليار جنيه خلال 3 أشهر مقارنة بـ303.3 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من العام المالي السابق له.
وارتفع الإنفاق على الأجور وتعويضات العاملين بالدولة بنسبة 5.1 بالمائة ليبلغ نحو 78.7 مليار جنيه مقابل 74.9 مليار جنيه، وزيادة الإنفاق على مساهمة الخزانة في صناديق المعاشات بنحو 22.5 مليار جنيه ليصل إلى 28.5 مليار جنيه، وذلك في ضوء تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد رقم 148 لعام 2019.
و الإنفاق على دعم الصادرات زاد ليحقق 1.7 مليار جنيه، فيما ارتفع الإنفاق على دعم التأمين الصحي والأدوية بنسبة 2.3 بالمائة ليصل إلى 1.2 مليار جنيه، وزاد الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية ليبلغ 54.7 مليار جنيه مقابل 34 مليار جنيه.
و تم تخصيص 12.4 مليار جنيه لدعم السلع التموينية خلال الفترة، كما ارتفع الإنفاق على شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات) بنسبة 60.4 بالمائة ليسجل 40 مليار جنيه، مما يعكس الاهتمام بتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين. و أن الإنفاق على شراء السلع والخدمات انخفض ليحقق 10.7مليار جنيه مقابل 12.8 مليار جنيه، فيما تراجعت المصروفات على الفوائد إلى 135 مليار جنيه مقابل 138.5 مليار جنيه.
و بنظرة شاملة على الطرق المختلفة لتقليل عجز الموازنة كما توضحها حالة الإقتصاد المصري، نجد انها بإختصار، تشمل ثلاثة سياسات رئيسية و هي:
(1) خفض الإنفاق الحكومي
(2) زيادة الضرائب ورسوم الخدمات العامة
(3) تحقيق نمو اقتصادي أسرع.
يحدث عجز الميزانية عندما يكون الإنفاق الحكومي أكبر من عائدات الضرائب. وهذا يؤدي إلى تراكم ديون القطاع العام. إذا كان العجز غير مستدام، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع عائدات السندات (مدفوعات فائدة أعلى) وفي أسوأ الحالات، يؤدي إلى فقدان الثقة في الحكومة. على الرغم من أن هذا نادر جدًا بالنسبة للبلدان التي لديها عملتها الخاصة (أي ليست باليورو كحالة الإتحاد الأوربى).
1. سياسة خفض الإنفاق الحكومي لتقليل عجز الموازنة
يمكن للحكومة خفض إنفاقها العام لتقليل عجزها المالي. على سبيل المثال، في التسعينيات، خفضت كندا إنفاقها العام بشكل كبير. قاموا بتقييم العديد من الإدارات المختلفة وخفض الإنفاق بنسبة تصل إلى 20٪ في غضون أربع سنوات و في جميع المجالات. وقد أثبت ذلك نجاحه في تقليص عجز الموازنة. خلال هذه الفترة من خفض الإنفاق، استمر الاقتصاد الكندي في النمو مما ساعد أيضًا على تقليل عجز الميزانية. ومع ذلك، خلال تخفيضات الإنفاق، استفاد الاقتصاد الكندي من أسعار الفائدة المنخفضة لتعزيز الإنفاق، وزيادة الصادرات إلى الولايات المتحدة ، وضعف سعر الصرف. القاعدة هنا أن الإقتصاد القوى لديه قدرة أسهل عي خفض الإنفاق من الإقتاصد الضعيف الهش.
علي سبيل المثال في أزمة منطقة اليورو، خفضت العديد من الدول الأوروبية الإنفاق الحكومي لمحاولة تقليل عجز ميزانياتها. على سبيل المثال في الفترة من 2010-2015 ، خفضت اليونان وأيرلندا وإسبانيا الإنفاق. ومع ذلك، فقد ساهمت هذه التخفيضات في الإنفاق في تراجع النمو الاقتصادي، مما أدى إلى انخفاض الإيرادات الضريبية وزيادة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. كانت تخفيضات الإنفاق هذه أقل فاعلية بكثير في تقليل عجز الميزانية لأن هذه البلدان لم تستطع تخفيض قيمتها (اليورو هو سعر صرف ثابت)، ولم يكن بوسعهم متابعة تخفيف السياسة النقدية وكانت منطقة اليورو في حالة ركود. لذلك، كانت تخفيضات الإنفاق وإجراءات التقشف أقل فاعلية في تقليل العجز وتسببت أيضًا في مزيد من المشاكل الاقتصادية.
ويشير تقييم خفض الإنفاق الحكومي إلي الأتي.
يعتمد ذلك على نوع الإنفاق الحكومي الذي خفضته. إذا خفضت إنفاق المعاشات التقاعدية (على سبيل المثال، يجعل ذلك الناس يعملون لفترة أطول)، فقد تكون هناك زيادة فعلية في القدرة الإنتاجية. إذا قمت بقطع استثمارات القطاع العام، فسيكون لذلك تأثير سلبي أكبر على إجمالي الطلب وجانب العرض في الاقتصاد. لذلك، فإن الإغراء هو أن تقوم الحكومة بقطع المزايا والمعاشات التقاعدية لأن هذا يمكن أن يقلل الإنفاق مع تأثير أقل على النمو الاقتصادي – ولكن سيكون على حساب زيادة عدم المساواة في المجتمع.
2. زيادة الضرائب كوسيلة لخفض عجز الموازنة
تزيد الضرائب المرتفعة من الإيرادات وتساعد على تقليل عجز الميزانية. مثل تخفيضات الإنفاق، يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الإنفاق وتؤدي إلى انخفاض في النمو الاقتصادي. مرة أخرى ، هذا يعتمد على توقيت زيادة الضرائب. في حالة الركود، يمكن أن تتسبب الزيادات الضريبية في انخفاض كبير في الإنفاق. أثناء النمو المرتفع، لن تضر الزيادات الضريبية بالإنفاق بنفس القد. يعتمد أيضًا على نوع الضريبة التي تزيدها. في الآونة الأخيرة، زادت فرنسا الضرائب المفروضة على الأغنياء إلى أكثر من 70٪ – ومع ذلك، فقد اشتكى البعض من أن هذا مرتفع للغاية ويخلق مثبطات للعمل في فرنسا. ولذا إذا كانت معدلات الضرائب الهامشية المرتفعة تقلل من الحوافز على العمل، فقد تكون الإيرادات الضريبية التي تم جمعها أقل من المخطط.
3. النمو الاقتصادي كسياسة هامة في خفض عجز الموازنة
من أفضل الطرق لتقليص عجز الميزانية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي تعزيز النمو الاقتصادي. إذا نما الاقتصاد، فإن الحكومة ستزيد الإيرادات الضريبية ، دون زيادة الضرائب. مع النمو الاقتصادي، يدفع الناس المزيد من ضريبة القيمة المضافة، وتدفع الشركات المزيد من ضرائب الشركات (ضريبة على الأرباح)، ويدفع العمال المزيد من ضرائب الدخل. النمو الاقتصادي المرتفع هو الطريقة الأقل إيلامًا لتقليل عجز الميزانية لأنك لست بحاجة إلى رفع معدلات الضرائب أو خفض الإنفاق. ومع ذلك، فإن العديد من البلدان التي تعاني من أزمة عجز مالي غالباً ما تكون عالقة في الركود التي يضعف قدراتها علي النمو. فمثلا تجد البلدان في منطقة اليورو حاليًا صعوبة في النمو بسبب طبيعة السياسة النقدية الأوروبية والقيود المفروضة على اليورو. أيضًا، قد لا يعالج النمو الاقتصادي العجز الهيكلي الأساسي (الذي يحدث حتى أثناء النمو المرتفع) وقد يتطلب ذلك تخفيضات في الإنفاق أو زيادات ضريبية.
الخلاصة:
لتقليل العجز المالي، من المرجح أن تستخدم الحكومة مجموعة من السياسات. العامل الرئيسي هو توقيت خطط خفض العجز. إذا كان البلد في حالة ركود بالفعل، فسيكون من الأصعب بكثير تقليل العجز لأن ضبط أوضاع المالية العامة يميل إلى تفاقم الوضع الاقتصادي مما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية. في بعض الحالات، يمكن أن يؤدي التقشف إلى هزيمة نفسه.
أفضل طريقة لتقليص عجز الموازنة هو السعي لتحقيق نمو اقتصادي إيجابي، ولكن على المدى الطويل لابد من تقييم التزامات الإنفاق الحكومي وخفض الإنفاق إلى مستويات مستدامة بما يضمن الاستقرار والإستدامة للإقتصاد الوطنى.
وختاما علي المخطط الإقتصادي المصري تطوير عدد من السياسات الإقتصادية التي تدعم مزيد من النمو الإقتصادي، تطوير مستوي آمن من الإنفاق العام، مع تطوير حزمة ضريبية تضمن رفع حصيلة ايرادات الدولة دون إحداث حالة من التباطيء الإقتصادي ونقترح تقديم حزمة من المزايا للمؤسسات العامة والخاصة التي تخلق وظائف لشباب الخريجين.
خالص الشكر
أ.د جمال شحاتة
عميد كلية التجارة- جامعة القاهرة