يونيو 23, 2024

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

لماذا يصاب المؤمن بالخوف من فوات الرزق ؟

 محمـــــد الدكـــــروري

لو نظرنا إلى ما وصلنا إليه فى هذا الزمان الذى نعيش فيه لوجدنا أن ما يشغل بال كثير من الناس طلب الرزق، وكيف يكون، ويلجأ بعضهم إلى طرق ملتوية ومحرمة للحصول على الأرزاق وما علم أولئك أن الحرام يمحق البركة، وجهلوا الأسباب الشرعية التي بها يستجلب الرزق، وبها تفتح بركات السماء والإنسان يفكِّر في احتياجات أُسرته؛ من مأكل، ومشربٍ، ومسكنٍ، يفكِّر في أولاده؛ في دروسهم، في ملابسهم، في أكْلهم وشربهم، ويستمر هذا التفكير، حتى يكبر أولاده، فيُفكر في تجهيزهم، وفي إعدادهم لمرحلة أخرى، هي مرحلة الزواج، هذه هي قضية الرزق في حياة كثير من الناس .

وروى الإمام مسلم ان النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قال ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها “.

وإن الحديث عن الرزق حديث ذو أهمية بالغة، وخاصة في هذا الوقت الذي ضعف فيه إيمان كثير من الناس بربهم، وأن الرزق بيده، وأنه المتكفّل بالأرزاق، مما جعل اعتمادهم وللأسف على خلق مثلهم، يرجونهم أو يخشونهم على أرزاقهم ، والله هو الذي قسم الأرزاق، وكتب لكل نفس رزقها وأجلها، ومع ذلك لم يأمرنا بالقعود وترك العمل وبذل الأسباب حتى يأتي الرزق، بل قال الله عز وجل (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) أي أعملوا .

والأمر من الله: (فَامْشُوا) ولم يقل: اسعوا، فنمشي لدنيانا وأرزاقنا مشياً، أما لعبادة ربنا وما يقربنا إليه من الطاعات والعبادات، فقال: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ولقد أصبح إيمان كثير من الناس بهذه القضية الخطيرة لا يعدو أن يكون كلامًا باللسان، يقال في وقت السَعة والرخاء، فلو أنك سألت أي إنسان في الطريق من الذي يرزقك؟! لقال لك في الحال: الله.

ولكن انظر لهذا الإنسان إذا ضيّق عليه في الرزق: يقول: فلان يريد أن يقطع رزقي، فما دلالة هذه الكلمة؟! إنها كلمة تدل على أن الإيمان بأن الرزق من عند الله ضعيفًا، لم يصل لدرجة اليقين، وأن كلمة “الرزاق هو الله” كلمة تستقر حال السلم والأمن، ولكنها تهتزّ إذا تعرّضت للشدة، والخوف والمحن.

فكم نحن بحاجة عظيمة لنذكر أنفسنا، ونعظ قلوبنا؛ ليرسخ فيها أن الرزق لا يملكه أحد سوى الله، وأن الخلق كلهم لا يملكون لأحد قطميرًا، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء” وظيفة، مال، جاه، منصب… “لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك”.

فالرزق مكتوب محفوظ للعبد منذ أن خلقه الله في بطن أمه، أُرسل إليه الملك فأُمر بأربع كلمات، ومنها: بكتب رزقه حتى يموت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها” وروي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية؛ ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني”.. فاعلم أن الله رازقك أينما كنت.. فقط توكَّل عليه سبحانه وثق برزقه.

وأعجب من ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم “لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت!!” يا سبحان الله! “لأدركه رزقه كما يدركه الموت!” أبعد هذا يُصاب المؤمن بخوف على الرزق؟! وفي الحديث القدسي المشهور، قال الله عز وجل “يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينًا قاعدة عظيمة من قواعد الكسب وطلب الرزق “من كانت الدنيا همّه، فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة”.

وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام ” يا موسى لا تخافن غيري ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم لا ينقطع، يا موسى لا تهتمن برزقي أبدًا ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا تفنى أبدًا” ولقد كان إيمان السلف بأن الله هو الرزاق عظيمًا، فلم يلتفتوا لأحد سوى الله في أرزاقهم، وكانوا بما في يد الله أوثق منهم بما في أيديهم، ولذا قال الحسن: “إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل ..

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يزرق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا”، وقد قيل لأبي حازم الزاهد: “ما مالُك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس ، وقيل: أما تخاف الفقر؟ فقال: أخاف الفقر ومولاي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟!”.

وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله “من وثق بالله في رزقه زاد في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسختْ نفسه، وقلّت وساوسه في صلاته” وقال حاتم الأصم: “إن لي أربعة نسوة وتسعة أولاد، ما طمع الشيطان أن يوسوس إليَّ في أرزاقهم” ، وقيل لحاتم: “على ما بنيت أمرك في التوكل على الله؟ قال: على خصال أربعة: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلوا من عين الله فأنا مستحي منه” إذا ينبغي للمسلم أن يطمئن تمام الاطمئنان وأن يثق تمام الثقة بأن رزقه وأجله بيد الله وحده لا بيد أحد سواه .