بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي
بعيدا عما تؤديه المرأة المصرية من دور في الحياتين العامة والأسرية والذي جعلها مفتاحا رئيسيا للتنمية المستدامة في دولة ناهضة كمصرنا الحبيبة ، وبعيدا عما تتحلى به من صفات استثنائية تزخر بها أدبياتنا الشعبية وموروثاتنا الثقافية ……. لعل أبرزها ما جاء في الوصية التاريخية المعروفة للحجاج بن يوسف الثقفي أحد دواهي العرب الثلاثة .. وبعيدا أيضا عما تلقاه المرأة من تقدير وتكريم وحفاوة من قمة هرم السلطة في المناسبات الوطنية المختلفة .. لتحريك الهمم النائمة ، وتفجير الطاقات الخاملة .. حتى ترسخ في وجداننا جيلا بعد جيل أن المرأة التي تمثل نصف المجتمع ، وتربي النصف الثاني ……. ليست عمود الأسرة ، ورمانة ميزانها الذي يحافظ على استمرارها وتماسكها واستقرارها فحسب …. بل تعد عنصرا فعالا ومهما ولا يمكن الاستغناء عنه في بناء هذا المجتمع وتكوينه من جميع نواحيه …. ذلك لأنها بالرغم مما تعانيه في حياتها نتيجة لأفكار وفتاوي صحراوية .. مغلفة بمسحة دينية مزيفة ، دخيلة على بلادنا النيلية المتحضرة ، ومخالفة لقيمنا الاجتماعية الصريحة ، وتعاليمنا الدينية الصحيحة .. وما ترتب عليها من سلبيات مجتمعية مدمرة تراكمت عبر السنين المتعاقبة في مجتمع يعاني معظم أبنائه من ثالوث التخلف اللعين الجهل ، والفقر ، والمرض .. بالرغم من ذلك استطاعت المرأة المصرية وبمنتهى الحكمة أن تضع بصمة واضحة في الحياة العامة على مر العقود السابقة ، وحققت نجاحات متوالية في المجالات كافة .. وهذا ليس غريبا أو جديدا على مصدر الحياة ، ورمز العطاء والتضحية والفداء .
أقول : بعيدا عما تقدم ذكره – رغم أهميته ورقيه وعظمته – دعونا نغوص قليلا في أعماق التاريخ قديمه وجديده ، ونقلب صفحاته العطرة .. كي نلقي الضوء على المكانة الرفيعة التي احتلتها المرأة المصرية .. منذ أيام الفراعنة ، وحتى يومنا هذا .. وذلك من خلال استعراض بعض النماذج التاريخية الخالدة …….. ولتكن البداية من الملكة حتشبسوت التي اتسم عهدها بالسلام والرفاهية فاحتلت مكانة عظيمة في قلوب المصريين وصلت إلى حد القداسة …….. ولا عجب في ذلك فهي أول امرأة في الدنيا قاطبة تتربع على عرش دولة بحجم ، وعظمة ، وحضارة مصر …. فحكمت البلاد ، وقادت العباد أكثر من عشرين عاما …. أصبحت مصر خلالها أقوى دولة عسكريا واقتصاديا في العالم كله من أدناه إلى أقصاه ……… وشهدت في عصرها أكبر نهضة عمرانية عرفتها البشرية ، وما معبد حتشبسوت الذي بني منذ أكثر من 3500 سنة في البر الغربي للنيل المقابل لمدينة طيبة عاصمة مصر القديمة ، والذي تحول مع مرور الزمن إلى قبلة للباحثين عن عظمة مصر وعظيماتها ، ويتوافد إليه ملايين الزوار من كل مكان على مدار العام .. إلا خير شاهد على ذلك ودليل عليه .
ومن الملكة حتشبسوت إلى السيدة هاجر …… فعندما أراد رب البرية أن يزرع النبتة الأولى للأمة العربية في واد غير ذي زرع ……. اختار لهذه المهمة الجليلة أما مصرية وأي أم إنها هاجر المولودة في مدينة طيبة (الأقصر حاليا) جنوب الصعيد …. زوج إبراهيم أبو الأنبياء ، وأم إسماعيل أبو العرب .. وهكذا كما يتضح لنا بمنتهى الموضوعية أن الأمة العربية تكونت من رحم مصر الفرعونية ، وأن مصر هي أصل هذه الأمة ، وجذورها الأساسية …… وهذا معناه بالتبعية أن مصر ليست فرعا من الأمة العربية ولا تنتمى لها بل العكس هو الصحيح تماما .. لذلك من أراد أن ينتسب لهذه الأمة عليه أن يفخر بانتمائه لمصر أولا .. حيث شاءت الأقدار أن يقع الاختيار على السيدة هاجر لتكن أما لهذه الأمة …….. فأدت المهمة على أكمل صورة ، وشرعت منسكا مهما من مناسك أحد أركان الإسلام الخمسة … تتعبد به الأمة إلى قيام الساعة ……. فلا يكتمل الحج بدون السعي بين الصفا والمروة تأسيا بالسيدة هاجر حيث يعد ركنا أصيلا من أركان الحج والعمرة …….. أما الحكمة الإلهية في اختيار امرأة مصرية للقيام بهذه المهمة التاريخية فلا تخفى على من يعرف المصريين الذين لا يعرفون المستحيل .. وخصوصا المرأة التي عُرفت بقدرتها الفائقة على تحمل الظروف الصعبة ، والتكيف مع البدائل المتاحة …… بما تتمتع به من طاقة وأيمان وهمة ، وإحساس عالي بالمسئولية .. وبما تتميز به من ملكات عجيبة تجعلها أكثر قدرة على توفير أسباب الحياة الكريمة .. والأهم أن المرأة المصرية هي الأكثر قدرة على خلق بيئة صالحة لتربية البراعم الصغيرة ، وتنشئتهم على أسس علمية ودينية سليمة … ولهذه الأسباب مجتمعه ، وربما لغيرها من أسباب أخرى لا نعلمها وقع الاختيار على تلك السيدة المصرية العظيمة …… فحولت بأمر ربها هذه البقعة الطاهرة …… من صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء ، إلى أم القرى التي تهوي إليها أفئدة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها .
ومن السيدة هاجر إلى القديسة صوفيا ……. فبينما كانت مصر المسيحية الأرثوذكسية ترزح تحت نير الاحتلال الروماني (رومانيا الغربية المسيحية الكاثوليكية) ولدت الطفلة صوفيا في مدينة ميت رهينة (البدرشين حاليا) شمال الصعيد ، وترعرعت وسط أسرة مصرية بسيطة تنتمي إلى الأقلية المصرية التي تدين بالوثنية .. لكن صوفيا ما أن شبت عن الطوق اكتسبت قدرا من الحكمة والعلم والمعرفة ….. واكتشفت مبكرا زيف تلك العقيدة الفاسدة ……. فآمنت بالديانة المسيحية …. وتحلت بتعاليمها السمحة على المذهب الأرثوذكسي …. الذي كان عليه الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري ……. ومع زهدها في الدنيا ، وتفرغها للعبادة …. تعمقت في الدين ، وحسُن إيمانها ، وزادت قربا من رب العالمين … حتى أصبح لها مريدين ، وظهرت لها كرامات بين المصريين … فأحبوها والتفوا حولها كعادتهم المعروفة منذ القدم ، والتي تميزوا بها عن سائر الأمم عبر الزمن .. وكانوا دائما ما يلجؤون إليها وقت الشدة ، يتعلمون منها الحكمة … ويقتبسون منها البركة ، ويلتمسون منها العون والمساعدة ، والأخذ بأيديهم إلى طريق الحياة الآخرة …… ما حدا بالحاكم الروماني المحتل أن يأمر بقطع رأسها بدافع التعصب الطبقي ، والحقد الطائفي …… فأخذ محبوها جسدها الطاهر وأبوا أن يواروه الثرى ، وظل جسدها على الهيئة التي استشهدت عليها مدة زمنية طويلة لم يعتره ما يعتري أجساد الموتى عادة من تحول أو تحلل ….. وهكذا ما يكون حال الشهداء والصديقين في كل عصر وفي كل حين .. وذاع صيتها في العالم كله …. إلى أن سمع بقصتها قسطنطين الثاني إمبراطور رومانيا الشرقية ، وعرف مكانتها بين المصريين .. فأمر بنقل رفاتها إلى بلاده ، وقام بدفنها في وسط العاصمة بيزنطة (إسطنبول الآن) !! .. وتكريما لها بنى على ضريحها صرحا معماريا مهيبا ليس له مثيل ….. ليجعله أكبر كنيسة في العالم القديم … و أطلق عليها اسم “كنيسة آيا صوفيا” تيمنا بالقديسة المصرية الشهيدة .
وإذا كانت السيدة هاجر أم العرب حيث تزوجت أبا الأنبياء ، وأنجبت أبا العرب ، وكونت هذه الأمة …. فإن السيدة مارية القبطية المولودة في مدينة أنصنا (مدينة ملوي حاليا) وسط الصعيد .. هي أم المؤمنين حيث تزوجت خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأنجبت له ولده الوحيد إبراهيم ، ووضعت في بيت النبوة قدما للمصريين وإنه لشرف لو تعلمون عظيم .
ثم من منا لا يعرف النابغة سميرة موسى .. أول عالمة ذرة مصرية المولودة سنة 1917 م في محافظة الغربية وسط الدلتا ……. التي احتلت المراكز الأولى في جميع مراحل تعليمها المختلفة ، إلى أن حصلت على البكالوريوس من كلية العلوم جامعة القاهرة سنة 1939 م ، ومن ثم عينت معيدة بالكلية …….. ثم سافرت إلى بريطانيا في بعثة علمية على نفقة الدولة ، فحصلت خلال عام وعدة شهور على الدكتوراه في الأشعة السينية .. وعقب حصولها على الدكتوراه مباشرة توصلت خلال عام واحد فقط إلى معادلة هامة وخطيرة تمكنها من صناعة قنبلة ذرية أكثر تدميرا وأقل تكلفة …… لكن للأسف الشديد ولأسباب مجهولة لم تدون الكتب العلمية في مصر والدول العربية هذه الأبحاث الذرية الهامة !! …….. وما أن حصلت العالمة سميرة موسى على الدكتوراه …. وتوصلت إلى معادلة تصنيع القنبلة الذرية حتى عادت إلى مصر لتحقيق الحلم الكبير الذي طالما حلمنا به جميعا حكاما ومحكومين …….. فقامت الدولة بتأسيس هيئة الطاقة الذرية …… واهتمت بإرسال البعثات العلمية إلى الخارج للتخصص في مجال العلوم الذرية .. إيمانا منها بأهمية التسليح النووي ، ورغبة منها في مجاراة ذلك المد العلمي المتنامي حول العالم في تلك الفترة المبكرة …… ثم وفي مطلع الخمسينيات من القرن الماضي استجابت العالمة المصرية إلى دعوة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء بعض الأبحاث في مجال الطاقة الذرية … وفي نهاية زيارتها العلمية رفضت عروضا مغرية للبقاء في أمريكا مفضلة العودة إلى تراب أرض الوطن … من أجل مواصلة أبحاثها العلمية ، وتحقيق أحلامها الوطنية …. رفضت الإغراءات التي قُدمت لها فتعرضت لحادث مروري غامض أودى بحياتها بولاية كاليفورنيا حيث أشارت الملابسات التي رُصدت حول الحادث إلى أنه ليس حادثا عاديا من قبيل الحوادث المرورية العابرة بل كان عملية اغتيال مدبرة .. فخسرت مصر برحيلها ثروة قومية لا تعوض بسهولة .. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ألم يكن أولى بالدولة التي كرمت اسمها بعد اغتيالها عدة مرات في مناسبات مختلفة …. أن توفر لها الحماية اللازمة ، وتقدم لها الإمكانيات المطلوبة .. كي تحقق طموحاتنا المشروعة في إنتاج الأسلحة الرادعة .. من أجل تحقيق المنعة المنشودة ؟ .
ورغم أن خسارتنا برحيل العالمة سميرة موسى كانت فادحة لكن سلسلة عظيماتنا ما زالت حلقاتها ممتدة وموصولة ……. وليس أدل على ذلك من بزوغ هذه النجمة المتلألئة في سماء العلم والمعرفة ، إنها العالمة الشابة إلهام فضالي التي لم تكمل عامها الثلاثين بعد ، المولودة في محافظة بني سويف شمال الصعيد ……… التي حصلت من بريطانيا سنة 2020 م على أحسن بحث في الفيزياء التطبيقية في العالم .. والذي تقوم فكرته على إحداث انبعاث ضوئي من السيلكون المكون الرئيسي للشرائح الإلكترونية …… لاستخدامه بديلا عن الأسلاك لنقل البيانات بسرعة الضوء وهي أعلى سرعة موجودة في الكون .. مما سيحدث نقلة نوعية في سرعة نقل البيانات … كانت – بلا أدنى مبالغة – هدفا للعلماء في العالم كله ولم ينجحوا في تحقيقه على مدار الخمسين عاما الماضية ، وهنا تكمن أهمية هذا الإنجاز العلمي الذي حققته العالمة إلهام فضالي … التي بدأ نبوغها المبكر منذ بداية المراحل الدراسية الأولى ، وكانت من أوائل المتفوقين على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة ، فاستحقت عن جدارة منحة دراسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتنهي دراستها الجامعية متفوقة على نفسها ، ومن ثم استحقت منحة دراسية أخرى من المفوضية الأوربية لتحضير رسالة الماجستير في السويد والتي حصلت عليها بتفوق كبير كالعادة ….. لتبدأ بعد ذلك سنة 2017 م رحلة الدكتوراه في هولندا .. وهكذا أثبتت إلهام فضالي من جديد أن جينات العبقرية والنبوغ والعظمة ممتدة منذ عصر أجدادنا الفراعنة حتى عصرنا هذا ….. وأكدت مجددا أن مقولة “مصر ولادة” لم تكن مجازا بل حقيقة مؤكدة وأن المرأة المصرية كانت وستظل دائما وأبدا عنوانا للعلم والمعرفة والقيادة .. وأن احتلالها للمقدمة في المجالات كافة سواء في الماضي أو في الحاضر لم يكن محض صدفة .. بل كان عن علم وتميز واقتدار وجدارة .
وفي الختام أقول : إذا كان بقاء الدول مرتبطا بامتلاك أسباب القوة والثروة ……. فإن تقدمها مرهونا بامتلاك مفاتيح العلم والمعرفة …. وهنا لابد لنا من وقفة .. فالعالمة سميرة موسي لم تكن الضحية الأولى للمؤامرات الدنيئة ولن تكون الأخيرة …. ولذلك يجب على الدولة العمل بكل ما أوتيت من عزم وقوة على توطين البحث العلمي .. وذلك بدعم طلابه ، ونشر ثقافته ، وتصنيع مخرجاته ، ورفع ميزانيته .. بالقدر الذي يُمكن الدولة من بناء قواعد علمية متطورة .. بدأ من المعامل ، مرورا بالمواد ، وصولا إلى الأجهزة ، وانتهاء بالمراجع اللازمة .. التي تلبي المتطلبات البحثية المتجددة لأبنائها العباقرة ………… من أجل حماية هذه الثروة القومية النادرة من الاغتيالات المدبرة من ناحية ، والإغراءات المرتبة من ناحية أخرى ، واستثمار عقولهم المفكرة …. في النهوض ببلادنا الحبيبة ، واللحاق بركب الدول المتقدمة … فليس من المسئولية ، ولا من الحكمة أن تكون ميزانية البحث العلمي في الدول العربية مجتمعة .. أقل بكثير من ميزانية البحث العلمي في إسرائيل !! .

More Stories
ست سنوات من الغياب وأنا أبحث عن حضنك
أقرأ رسالتك فأشتاق أكثر
أميرتي