مارس 18, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

دعوة إبراهيم الخليل بقلم الأديب د. طــارق رضــوان

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوةَ أبينا إبراهيم عليه السلام حين دعا بهذا الدُّعاء الجميل: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129].
وما مِن كاتبٍ إلَّا سيَفنى ويَبقى الدَّهرَ ما كتبَتْ يداهُ
فلا تكتُبْ بكفِّك غير حرفٍ يسرُّك في القيامة أن تراهُ
تدرَّجتِ الكتابة والكتبة عبر العصور؛ بدءًا بالزمن الأول، والملائكة الكرام كاتبون، كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10، 11]، والعلم إمَّا مَنطوق مَلفوظ شفوي، وإمَّا مكتوب ومرقوم ومرسوم ومسطور، فالله تعالى يقول: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾(ق: 18)
وهكذا تواترَتِ الكتابة، لتصير عنوانًا للحضارة ؛ لأنَّه من دون تراكم للعلوم والفنون والآداب، ومن دون بناء اللاحقين على جهود السابقين – لن تتقدَّم أمَّة من الأمم خطوات إلى الأمام في اتِّجاه الثَّقافة والحضارة والمدنيَّة.
فمن الإعجاز أن يعلم الأمي أمَّةً أميَّة: الكتاب والحكمةَ . وجاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه لينفع الأمَّة بأولياته الشهيرة؛ كتدوين الدواوين، وإصلاح نظم البريد؛ كل ذلك وطيد العلاقة بامتهان الكتابة واحتراف صنعتها.
ليتطور الأمر في عهد الدولتين الأموية والعباسية، فيتصدر الكتَّاب والعلماء والأدباء حِرفة الكتابة في دواوين الدولة.بقي الحال على ما كان عليه، مرورًا بالدول المتعاقبة، والإمارات المتوالية، إلى الدولة العثمانية، إلى أن جاء يهود الدُّونمة إلى تركيا، هنالك حيث تغيَّرَتِ الكتابة وانتقلَتْ من الحرف العربي إلى اللاتيني، لتفقد الدولة ركامًا علميا وتراثا حضاريًا جرفه تيَار طوفان الحرب على الإسلام، كما طُمسَت ذاكرة التاريخ بعد طوفان نوح عليه السلام.
وجاء عصر النهضة؛ حيث أعطي للكتاب من العلماء والأدباء والمفكرين والمفتين بعض الاستقلال، نتج جرَّاء التفاعل مع البعثات إلى الغرب، واستقبال المبشِّرين والمنصِّرين والمحتلِّين، وجيئة الطباعة، ليصار – بعدُ – إلى تأميم ذلك كلِّه؛ فلم يكسب الكُتَّاب من حِرفة الكتابة إلَّا الفتات، ما دام فكرهم ورأيهم مستقلًّا عن طلائع الاحتلال والحكَّام التابعين ومَن تبعهم من الكاتبين.
واستمر الأمر في عصرنا الحديث على المنوال ذاته، ونشطت دور النشر، وتغول من تغول في أكل حقوق الكتاب، إلى أن انفجرَت وسائل الاتصال لتأتي على البقية الباقية.
وفى كتابه الوردة الذهبية لباوستوفسكي ، فإن الكاتب هو صوت جيله ، وهو الشخص الذي يجب عليه أن يزرع أفضل ما في الإنسان. كان Shemet رجل قمامة ، ولم يكن لديه مال لشراء وردة ذهبية لحبيبته. لكنه كان يعمل في ورشة للمجوهرات وفكر في غربلة الغبار الذي اجتاحه. مرت سنوات عديدة قبل أن تصبح حبيبات الذهب كافية لصنع وردة ذهبية صغيرة. ولكن عندما ذهب جان شاميت إلى سوزان لتقديم هدية ، علم أنها انتقلت إلى أمريكا .
الأدب يشبه هذه الوردة الذهبية ، كما يرى باوستوفسكي. “جولدن روز”. فالكاتب ، وفقا للمؤلف ، ينبغي أن يفرز الكثير من الغبار (“النفيس والغبار”)، ويجد حبيبات الذهب ويلقي وردة ذهبية من شأنها أن تجعل حياة الفرد والعالم بأسره أفضل. يعتقد قنسطنطين جورجيفيتش أن الكاتب يجب أن يكون صوت جيله. فإن الكاتب هو أجمل وأصعب المهن في العالم.
ويعتقد باوستوفسكي أن الكاتب يكتب لأنه يسمع الدعوة داخل نفسه. ولكنه ما زال لا يستطيع الكتابة. ويرى أن ولادة التصميم (قصة أو قصيدة أو غيره) تشبه البرق. تزداد الشحنات الكهربائية لفترة طويلة جدًا ، من أجل ضربها لاحقًا بكل قوتها. كل ما يراه الكاتب ، يسمع ، يقرأ ، يفكر ، يكتسب ، يتراكم ليصبح مؤامرة لقصة أو كتاب في يوم واحد.
ولكن كيف تعامل المخرجون في عالم السينما مع الأعمال الأدبية التي اقتبسوا منها أعمالهم السينمائية؟ هل يمكن أن نتحدث عن الوفاء والخيانة في تحويل النص الأدبي إلى سيناريو للسينما؟ أيهما المهيمن: المؤسسة الأدبية أم المؤسسة الاخراجية؟ ظهرت اتجاهات تنادي باستقلال السينما وتخليصها من تلك التبعية لمؤسسة الأدب بظهور كاتب السيناريو كمهنة مستقلة وهوية خاصة لا علاقة لها بكاتب الأدب، فجاءت موجة الكتابة مباشرة للسينما دون العودة إلى نصوص أدبية.
ومن جهة أخرى تعالت أصوات تقول بأدبية السيناريو المكتوب رأسا للسينما وأصبح ينظر إليه في العالم كجنس أدبي خاص يمكن نشره ورقياً في كتب وقراءته كما المسرحية دونما حاجة لتنفيذه على الشاشة.
هذا الطرح يجعلنا نتساءل عن هوية المتلقي للأعمال الأدبية في الوطن العربي. ماذا يقرأ القارئ العربي اليوم ؟ وهل له استعداد لخوض مغامرة جديدة في القراءة؟
إن القارئ العربي، إن وُجد، قد تنمّط في قوالب معينة يصعب الخروج به منها بسهولة، فقد وضع لنفسه حدوداً أجناسية يتحرك داخلها وهي كلاسيكيات الأجناس الأدبية: الرواية والقصة القصيرة والشعر؛ ولم ترتقِ المسرحية المكتوبة والمنشورة إلى مستوى الجنس الأدبي الجماهيري؛ بل نذهب إلى أكثر من ذلك عندما نجد القارئ العربي ينفر من كل جديد. فكيف يمكن الحديث عن مستقبل للسيناريو المكتوب في عالم النشر الورقي التابع لثقافة السوق، هذا العالم الذي لم يتردد في التضحية بأبي الأجناس الأدبية: الشعر؛ ولم يعد معنياً بنشره في السنوات الأخيرة بسبب الانفجار الروائي ؟ فلا دور نشر ترحب بنشر السيناريوهات ولا قراء يقدمون عليها. فالروايات الأكثر مبيعاً في الوطن العربي هي روايات ضعيفة فنياً يلتجئ مترجموها بعد شهرتها إلى حذف عشرات الصفحات باعتبارها شحوماً سردية ولغوية لا تضيف شيئاً للرواية كبنية فنية.
وإن افترضنا أن السيناريو أدب؛ فهو أدب التحكم في الزمن، إذا ما استحضرنا علاقته الرحمية والوجودية بالسينما. وهو أدب الاقتصاد في الكلمة؛ فالكلام في السيناريو المكتوب بحساب وليس هناك من كلمة إلا وتنتزع شرعية وجودها من بنية السيناريو نفسه، ويترك غيابها فجوة معرفية وجمالية.
ويذهب كاتب السيناريو المجري بيلا بالاش (Bela Balasz) صاحب كتاب نظرية الفيلم إلى أن هناك سيناريوهات سينمائية “موجهة للقراءة، ولا يمكن تصويرها في فيلم، مثلما توجد مسرحيات لا يمكن تقديمها على المسرح أبداً. مع ذلك فمثل هذه السيناريوهات ليست روايات ولا قصص قصيرة أو مسرحيات، إنها سيناريوهات سينمائية تنتمي إلى شكل أدبي جديد”.
في المقابل نجد المؤسسة النقدية العربية الكلاسيكية تستبعد فكرة اعتبار السيناريو عملاً مكتملاً أصلاً قبل تجسيده فيلماً؛ إذ يقول الناقد علي أبو شادي: “رغم الأهمية الفائقة للسيناريو فهو الهيكل الأساسي لأي فيلم، إلا أنه يعد عملاً غير نهائي، وغير مكتمل… حيث لا قيمة له دون تحقيقه وتصويره أي تحويله إلى فيلم… فالسيناريو دائماً مشروع ناقص… جنيني لا يكتسب وجوده وشرعيته إلا من خلال شريط السليولويد، وهو الشريط الذي تصور عليه الأفلام، أو شريط الفيديو”.
غير أن المشكل الحقيقي أن الرواية أو القصة تقوم بعقد قرائي أي “ميثاق قراءة”، منذ البداية فيتواطأ كلٌ من الكاتب والقارئ في لعبة الإيهام بالواقعية؛ وهذا ما لا يفعله السيناريو الذي يذكّر مع كل سطر بزاوية النظر وموقع الكاميرا، ومن ثمة فهو كلما تقدم هدم الميثاق الروائي وذكّر بالصناعة السينمائية. وعليه إذاً، أن يخلق ميثاقاً جديداً، ربما يكون “ميثاق الصنعة” والذي يحتاج بدوره إلى ذائقة جديدة ووعي جديد يقطع مع ثقافة استهلاك الوهم ليؤسس لثقافة المشاركة في صناعة الجمال.
فالسيناريست يقسو على النص الأدبي ليحول السطور الطويلة والكثيرة التي تصف الأحداث والوجوه والشخصيات والأفكار إلى علامات وإشارات وحوار بين الشخصيات. فنخرج بالنص من طغيان السرد إلى طغيان الحوار؛ من عالم الوصف والسرد إلى عالم الأقوال.
تبقى العلاقة بين الأدب والسينما علاقة جدلية لكنها ليست علاقة تنازع وسيطرة بقدر ما هي علاقة تكامل وإثراء، فيحاول الأدب أن يستفيد من السينما في مواقع مختلفة من أدائه الفني كما تبقى السينما وفية لعلاقتها بالأدب بما هو أحد المراجع الأساسية لها وأحد الخزانات الكبرى لتدفقها.