فبراير 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“نوادر العميان في مجتمعنا الغفلان” بقلم طارق الشناوي

نقابل كل يوم أناس ملأت قلوبهم الطيبة، ولكن تختلف تعبيراتهم حسب ثقافاتهم واحتكاكهم بالمكفوفين وقدراتهم في التعامل معهم، ذات يوم كان صاحبنا خارجا من الجامعة برفقة اثنين من الأصدقاء المكفوفين, وكان هذا أمام الباب الرئيسي للجامعة وكان من لاختيار أحدهم وطلب العبور معهم إلى الاتجاه الأخر, المفروض عبورهم الشارع حتى يتمكنوا من ركوب المواصلات التي ستقلهم إلى منازلهم, ولم يكن من بينهم أحد يمكنه القيام بمهمة العبور مع مجازفة البعض أحيانا حيث يكون عنده قليل من الإبصار يرى خيالات مثلا فيقف بجوار أحد العابرين لخجله من طلب مساعدته في العبور أو يكون مستكبرا أن يطلب ذلك وهو قادر على ذلك دون عون, وعندما يشعر بعبور هذا الشخص يمشي بجواره ملتزم بخطواته حتى يتفادى السيارات, ويسلم الله في أكثر الأحيان لأن العابرين يتوقفون أحيانا في منتصف الطريق لتعبر سيارة من أمامهم والأخرى من خلفهم وأي خطأ يمكن أن يكلف هذا الخجول أو المستكبر حياته أو الإقامة في المستشفى والمنزل لعدة شهور, ولما كان هذا يدور في رأس صاحبنا فكان لا يغامر بالعبور بمفرده أو الاعتماد على هؤلاء المدعين, فتوقف هو ومن معه ليبحث عن أحد العابرين ويطالبه بمساعدتهم, وكان وقتها يفضل صاحبنا ارتداء نزارة شمس لتجنب حرارتها والأتربة التي كانت تضايقه مع تحسين بعض الشيء في الشكل العام, فكان ذلك لا يظهر كف بصره في أغلب الأحيان لأول وهلة, ولما كان صاحبنا اكتسب بعض الجرأة في التعامل مع الناس فقد تصدى لمطالبة الواقف بجواره للعبور, وقد كان رد فعل الأخر عجيبا حيث لم يرد ثلاث مرات متتالية وكأنه غير موجود أو أصابه فقدان للوعي والحواس, ولم يستسلم صاحبنا وأراد أن يعرف سبب عدم رده وأحب أن يتأكد بأن من بجواره إنسان تدب فيه الحياة, فأخذ يربط على كتفه بقوله يا أستاذ نود عبور الطريق, وكانت المفاجأة في رده ماذا تريد أنا لا أحب المواقف والحركات الساخرة وإلا لن يحدث خير, فأجابه صاحبنا في اندهاش لماذا تقول هذا؟ رد قائلا لو كنتم تحولون أن تدبروا لي مقلبا من خلال الكاميرة الخفية فسوف يكون رد فعلي عنيفا, وقتها شعرت بأني غير قادر على امتلاك نفسي من الضحك ولكنني تماسكت وأشرت للأصحاب بالصمط وعدم الضحك, واستمر الحوار بقولي لسنا الكاميرة الخفية ولكننا في الحقيقة غير قادرين على العبور بمفردنا وأنا متمسك بالتعاون معنا, فاستسلم الرجل قائلا سأساعدكم ولكن أي حركة غير طبيعية ستندمون كثيرا, فقلت لن نقبل على أي حركة, وبدأنا في العبور ووصلنا إلى منتصف الطريق في الرصيف الذي يفصل الطريقين في الذهاب والعودة, وسألنا هل تريدون شيء أخر, فقلت له ماذا سنفعل هنا في منتصف الطريق؟ فقال هل تريدون عبور الطريق الأخر؟ قلت له نعم بالطبع, وقد أخذت في نصحيته وأنا لا أتمالك نفسي من الضحك, بقولي لا تجعل البرامج أو أفعال الآخرين تحرمك من فعل الخير, ولا تنتظر ردود أفعالهم فليس كل الناس يمثلون, وعلى كل حال فنحن لك شاكرون.